تحل اليوم /الخميس/ ذكرى وفاة الفنانة والمطربة المصرية شريفة فاضل، واحدة من أبرز أصوات جيل الزمن الجميل، التي ارتبط اسمها في وجدان المصريين بالأغنية الوطنية والفرح الشعبي وأجواء رمضان الروحانية.
رحلت عن عالمنا الخامس من مارس 2023 عن عمر ناهز 84 عامًا، بعد صراع مع أمراض الشيخوخة ووعكة صحية ألمت بها في أيامها الأخيرة، تاركة خلفها إرثًا فنيًا ممتدًا عبر عقود من الغناء والتمثيل .
وُلدت شريفة فاضل في 15 سبتمبر عام 1938 بالقاهرة، واسمها الحقيقي "فوقية محمود أحمد ندا"، وهي حفيدة الشيخ أحمد ندا مؤسس مدرسة التلاوة الحديثة وأحد أعلام دولة التلاوة في مطلع القرن العشرين، فكان الصوت العذب جزءًا من ميراثها العائلي. عاشت طفولتها بعد انفصال والديها مع والدتها التي تزوجت من إبراهيم الفلكي، أحد أثرياء مصر.
وفي إحدى العوامات الشهيرة على ضفاف النيل، التي كانت تجمع كبار رجال الدولة والمجتمع، برز صوتها لأول مرة وهي طفلة، عندما غنّت أمام الملك فاروق الذي أبدى إعجابه بموهبتها وصفّق لها.
انطلقت إلى عالم الفن عندما طلب رجل الأعمال السيد ياسين من والدتها إشراكها في فيلم "الأب"، فكانت تلك البداية الحقيقية على الشاشة في أواخر الأربعينيات، ثم شاركت وهي لم تتجاوز الرابعة عشرة في فيلمي "أولادي" و"وداعًا يا غرامي".
التحقت بمعهد التمثيل كمستمعة نظرًا لصغر سنها، قبل أن تعتمد مطربة في الإذاعة المصرية، لتبدأ مرحلة جديدة من الانتشار، حيث قدّمت عشرات الأغنيات التي وجدت طريقها بسهولة وعفوية إلى البيوت المصرية والعربية.
في الخمسينيات والستينيات رسخت مكانتها كمطربة ذات طابع خاص، بصوت يحمل نكهة الريف وعبق الحارة الشعبية، فغنت "فلاح كان فايت بيغني" التي كتبها حسين السيد ولحنها منير مراد، وأصبحت بمثابة بطاقة تعريف لها في القرى والنجوع، كما قدمت "حارة السقايين" التي تحولت إلى واحدة من علامات الأغنية المصرية، إلى جانب "آه من الصبر"، و"آه يا المكتوب"، و"الليل"، و"أمانة يا بكرة"، و"مبروك عليك يا معجباني"، وغيرها من الأعمال التي تعاونت فيها مع كبار الملحنين مثل رياض السنباطي، ومحمد الموجي، وبليغ حمدي، وسيد مكاوي
على الشاشة الكبيرة شاركت في نحو عشرين فيلمًا، تنوعت أدوارها فيها بين الغناء والتمثيل، ومن أبرزها : "حارة السقايين"، و"مفتش المباحث"، و"غازية من سنباط"، و"الحب والثمن"، و"سلطانة الطرب" الذي جسدت فيه شخصية منيرة المهدية، وهو الدور الذي منحها لقب "سلطانة الطرب" ليلازمها طوال مشوارها الفني.
كما تزوجت في منتصف الخمسينيات من الفنان والمخرج السيد بدير وأنجبت منه ولدين، قبل أن ينتهي هذا الزواج بالانفصال ثم تزوجت لاحقًا من اللواء طيار علي زكي.
لم تنفصل المسيرة الفنية للفنانة شريفة فاضل عن ملامح حياتها الشخصية، إذ عاشت لحظة فارقة حين استشهد ابنها الطيار سيد السيد بدير خلال حرب الاستنزاف، وهي الفاجعة التي تركت أثرًا عميقًا في وجدانها. غير أنها حوّلت حزنها إلى عمل فني خالد، فطلبت من الشاعرة نبيلة قنديل كتابة أغنية تجسد مشاعر أم الشهيد، لتخرج إلى النور أغنية" أم البطل " من ألحان علي إسماعيل، والتي أصبحت واحدة من أبرز الأغنيات الوطنية في مصر، ورمزًا لكل أم قدمت ابنها فداءً للوطن.
ورغم ما حملته الأغنية من مشاعر مؤلمة، ظلت شريفة فاضل تؤديها في العديد من المناسبات الوطنية، خاصة خلال احتفالات انتصارات حرب أكتوبر 1973، حيث رددتها الجماهير معها عبر الأجيال.
ارتبط اسمها أيضًا بشهر رمضان المبارك من خلال أغنيتها الشهيرة "تم البدر بدري"، كما حضرت في الأفراح بأغنية "مبروك عليك يا معجباني" .
عاشت سنواتها الأخيرة بعيدًا عن الساحة الفنية، مكتفية بذكرياتها وأعمالها التي لم تغب عن الإذاعة والشاشات. ورغم غيابها الطويل، فإن خبر رحيلها أثار حالة واسعة من الحزن والتفاعل على منصات التواصل الاجتماعي، ونعَتها صفحات فنية وثقافية عديدة..
برحيل شريفة فاضل فقدت الساحة الفنية صوتًا صادقًا خرج من قلب التجربة، وعاش تفاصيل الوطن بكل ما فيه من أفراح وانكسارات، لكنها تركت إرثًا لا يموت، فكلما أطل رمضان، أو احتفل المصريون بنصر أكتوبر، أو التف الأهل حول عروسين في ليلة زفاف، عاد صوتها ليذكر الجميع بأن الفن الصادق يظل أقوى من الغياب، وأن "سلطانة الطرب" ستبقى في الوجدان ما بقيت الأغنية المصرية.