قال الشيخ الدكتور ياسر الدوسري ، إمام وخطيب المسجد الحرام: تفطنوا لشهركم فقد مضى أكثره، وبقي منه تاجه وجوهره، فها هي عشره الأواخر قد أشرفت، وبخيراتها وبركاتها قد أقبلت.
المحروم من فرط فيها
وأوضح “ الدوسري ” خلال الجمعة الثالثة من شهر رمضان اليوم من المسجد الحرام بمكة المكرمة، أنها عشر المغفرة والنفحات، والعتق والرحمات، واستجابة الدعوات، ومضاعفة الحسنات، وتكفير السيئات.
وتابع: يا فوز من تداركها بصالح العمل، وعوض ما فاته من نقص وخلل، وإن المحروم من فرط فيها ولهى عن العمل، وسلى قعوده بطول الأمل، مشيرًا إلى أنه ما أسرع مرور الليالي والأيام.
واستطرد: وما أعجل تصرم الشهور والأزمان، فها هو شهر رمضان قد جاوز المنتصف، والموفق من كان مشمرًا وبالجد اتصف، عازمًا على اغتنام ما بقي؛ فكأنكم بالشهر وقد انصرف.
وأضاف أنه قد كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يخص العشر بمزيد من الطاعات، وكان اجتهاده فيها يصل إلى غاية ما يمكن من الاجتهاد في العبادات، ففيما ورد عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يجتهد في العشر الأواخر ما لا يجتهد في غيرها.
اختصها بليلة القدر
وبين أنه حسب هذه العشر شرفًا وفضلًا أن الله اختصها بليلة القدر التي عظم قدرها، وأعلى شأنها، وأنزل فيها القرآن؛ هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان، قال تعالى: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ}.
وأشار إلى أن في هذه الليلة تقدر الأمور والآجال، وتقسم الأرزاق، واصفًا عظمتها بالليلة عظيمة الخيرات، كثيرة البركات، غزيرة الحسنات، عزيزة الساعات، فالعمل الذي يقع فيها خير من العمل في ألف شهر.
ونوه بأن من صدق إيمان العبد، وعلامات توفيق الله له؛ أن يغتنم هذه الليلة المباركة، إقبالًا على الطاعات، وإكثارًا من القربات، وإلحاحًا في التضرع والدعاء، مع قلب عامر بحسن الظن، وعظيم الرجاء.
وأفاد أن الله جل وعلا لم يخفِ عنا ليلة القدر إلا لنجتهد في التماسها، ونسعى في اقتناصها، ومن قامها كتب له أجرها ولو لم يعلم بها، والاعتكاف، مما يعين العبد لتحقيق مبتغاه، وتنقية قلبه.
صنوان لا ينفكان
وقال : وإصلاح قصده، وجمع همه، وتجديد عهده، وذلك بتعليق قلبه بالله، وتفرغه لطاعة مولاه، فقد كان من هدي النبي -صلى الله عليه وسلم- إذا دخلت العشر أن يعتكف في مسجده، وينقطع إلى ربه، ويجمع همه، ويقبل عليه بكليته.
ونبه إلى أن من السنة اعتكاف المسلم في العشر كلها، وأن يدخل المسجد قبل غروب شمس يوم العشرين من رمضان، ولا يخرج إلا عند اكتمال الشهر، وذلك بغروب شمس يوم الثلاثين أو برؤية هلال شوال.
وأشار إلى أن من لم يتيسر له اعتكاف العشر؛ فليعتكف بعضها، مشددًا على ضرورة التزود من هذه الفضائل الربانية، واغتنام هذه المنح الإلهية، والسباق إلى الخيرات والمسارعة إلى الطاعات، والحفاظ على الجمع والجماعات، وأداء الزكاة والصدقات، والتزام القرآن قراءة وتدبرًا، وخشوعًا وتفكرًا؛ ففي رمضان يجتمع الصيام والقرآن، فهما صنوان لا ينفكان.