يشهد النظام الإيراني مرحلة حساسة وغير مسبوقة في انتقال السلطة بعد وفاة المرشد الأعلى الراحل آية الله مجتبى خامنئي، حيث تشير التحليلات إلى أن خليفته قد لا يتمتع بنفس المستوى من السلطة المطلقة التي حظي بها أسلافه.
وهذه المرحلة تمثل اختبارًا حقيقيًا لمستقبل نظام "ولاية الفقيه" في ظل تصاعد التوترات الداخلية والخارجية، وسط صراع متشابك بين المؤسسات الأمنية والعسكرية والسياسية في البلاد.

تحولات تدريجية
لم يشهد التاريخ الإيراني الحديث انتقالًا للسلطة على مستوى منصب المرشد سوى مرة واحدة، حين تم اختيار خامنئي عام 1989 بعد وفاة مؤسس الجمهورية الإسلامية الخميني، الذي قاد البلاد لعقد كامل بعد ثورة 1979.
ومنذ ذلك الحين، شهدت إيران تحولات تدريجية في توزيع السلطات، حيث تم تفويض صلاحيات أوسع لمجموعة من الجهات الفاعلة مثل الحرس الثوري وغيرهم من اللاعبين السياسيين والعسكريين والاقتصاديين.
السلطة الشخصية للمرشد
في تحليل لمجلة "نيوزويك" الأمريكية، أكد بابك فهداد، الباحث والمحلل المتخصص في الشؤون الإيرانية، أن النظام كان قد بدأ قبل وفاة خامنئي في التحول نحو هيكلية أكثر توزيعًا للسلطة.
وقال فهداد: "النظام كان يتطور نحو هيكل تُمارس فيه السلطة عبر شبكات مترابطة بدلاً من الاعتماد على السلطة الشخصية للمرشد، حتى وإن بقي رأس السلطة".
وأضاف أن وفاة خامنئي في خضم الحرب الحالية سرّعت هذه العملية، حيث يُتوقع أن يزيد نفوذ جهات مثل الحرس الثوري وجهاز المخابرات والهيئات التنسيقية الرئيسية، ليس بالضرورة لأنها تحل محل منصب المرشد رسميًا، بل لأن إدارة الأزمات تعتمد على المؤسسات التي تتحكم بالقوة والمعلومات واستمرارية العمليات.
ويشير فهداد إلى أنه يمكن تصور نموذج جديد يكون فيه رجل دين رفيع المستوى يشغل رسميًا منصب المرشد الأعلى، بينما يتوزع النفوذ الفعلي بين مؤسسات الأمن والدولة بطريقة أوسع وأكثر لامركزية.
وهذه التغيرات تأتي في وقت تكرّس فيه الحكومة الإيرانية جزءًا كبيرًا من قدراتها لضمان مصالحها ورفع تكلفة الحرب على أعدائها، بينما يستغل اللاعبون الرئيسيون هذه اللحظة لتشكيل مستقبل البلاد على أسس جديدة.
تعزيز الحكم الداخلي
يُعتبر الحرس الثوري الإيراني من أكثر الجهات نفوذًا في هذه المرحلة، فهو ليس مجرد قوة عسكرية تقليدية، بل مؤسسة تحمل ولاء أيديولوجيًا للنظام والمرشد، وتمتلك إمبراطورية داخلية واسعة تضم مصالح أمنية وسياسية واقتصادية.
وقال أندرياس كريج، المحاضر في كلية الدراسات الأمنية بجامعة كينغز كوليدج لندن والزميل في معهد دراسات الشرق الأوسط: "هذا الاضطراب الحالي يخلق فرصًا للحرس الثوري، ليس للانقلاب، بل لتعزيز استمرارية النظام".
وأضاف أن أقوى استراتيجية للحرس الثوري تكمن في تعزيز الحكم الداخلي عبر المجالس المحلية، مع الحفاظ على المظهر الديني، واستغلال ظروف الطوارئ لتبرير تشديد الرقابة على عملية صنع القرار.
وأوضح كريج أن الحرس الثوري قد يتحكم في صياغة أجندة مجلس القيادة المؤقتة وهيئات التنسيق الأمني، ويحدد توقيت الخلافة، مع تبرير تأجيل اختيار المرشد الدائم من خلال حجج تتعلق بالأمن والعمليات.
كما أشار إلى أن الحرس يسعى للحفاظ على حكم لامركزي أشبه بالفسيفساء، مع توزيع النفوذ بين مختلف المؤسسات لضمان استمرار النظام دون تركيز كامل للسلطة في يد المرشد الجديد.
إدارة الأزمات والقنوات الخارجية
أما القوات المسلحة الإيرانية التقليدية "أرتش"، فقد استعادت تدريجيًا نفوذها السياسي في مواجهة الحرس الثوري خلال الحرب، وتُعتبر أساسية للدفاع عن الأراضي ولها هوية مؤسسية مميزة، لكنها ليست قادرة على قيادة مشروع سياسي كامل، بل على مقاومة التهميش ضمن نظام يهيمن عليه الحرس الثوري.
أما المعسكر الإصلاحي والبراغماتي، فهو يمتلك نفوذًا محدودًا ويركز على إدارة الأزمات والقنوات الخارجية، مع السعي لتهدئة التوتر الداخلي، وتجنب أي تحركات قد تضعه في مواجهة مباشرة مع المؤسسات العسكرية والأمنية.
وفي النهاية، سيكون على المرشد الجديد التعامل مع شبكة المصالح الداخلية المتنافسة، والتي قد تُفضي في النهاية إلى نظام لامركزي للسلطة، بعيدًا عن المركزية المطلقة التي ميزت منصب المرشد في عهد علي خامنئي، وهو ما يفتح الباب أمام مرحلة جديدة في تاريخ الجمهورية الإسلامية الإيرانية.