عقد الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، مساء اليوم الاربعاء، المؤتمر الصحفي الأسبوعي، بمقر الحكومة بالعاصمة الجديدة، بحضور ضياء رشوان، وزير الدولة للإعلام.
واستهل رئيس مجلس الوزراء المؤتمر بالترحيب بالحضور، في هذا اللقاء الذي يُعقد تزامناً مع الأيام الأخيرة من شهر رمضان المعظم، قائلاً: «اسمحوا لي أن أنتهز هذه الفرصة لأتوجه بخالص التهنئة إلى الرئيس عبدالفتاح السيسي، رئيس الجمهورية، وإلى جموع الشعب المصري العظيم، وشعوب الأمتين العربية والإسلامية، بمناسبة قرب حلول عيد الفطر المبارك، سائلين المولى عز وجل أن يعيده علينا دائماً بالخير واليُمن والبركات.
وأشار رئيس مجلس الوزراء إلى أن هذا العيد يحلُّ في ظل ظروف دقيقة للغاية تمر بها المنطقة، لافتاً إلى أن الاهتمام العالمي ينصبُّ حالياً على الحرب الدائرة في المنطقة؛ "الحرب الأمريكية، الإسرائيلية، الإيرانية"، وتداعياتها الواسعة التي يلمسها العالم أجمع، بداية من دول المنطقة التي تتأثر بصورة مباشرة، وصولاً إلى جميع دول العالم، خاصة في ظل التحديات الاقتصادية الجسيمة التي تفرضها هذه الأزمة الشديدة، والتي استرعت انتباه وتحذيرات أغلب المؤسسات الاقتصادية العالمية.
وأضاف: هنا أود التأكيد مجدداً على ثوابت الموقف المصري بشأن هذه الحرب؛ لكي تكون الأمور جليّة للجميع؛ فالدولة المصرية أكدت منذ البداية رفضها القاطع لهذه الحرب، انطلاقاً من رؤية واضحة وإيمان تام بتداعياتها الخطيرة التي ستلقي بظلالها على المنطقة والعالم بأسره، وهو ما نشهده واقعاً ملموساً اليوم.
وتابع: إننا نؤكد إدانتنا الكاملة للاعتداءات التي تستهدف الدول العربية الشقيقة، سواء في منطقة الخليج العربي، أو الأردن والعراق. وهنا أشدد بصورة قاطعة على أن الموقف المصري -الذي عبر عنه فخامة السيد رئيس الجمهورية بوضوح تام في كافة المحافل واتصالاته مع أشقائه من قادة هذه الدول والقادة الدوليين- يرتكز على الرفض التام للحرب، والإدانة الشديدة لكافة صور الاعتداء على الدول العربية الشقيقة.
واستطرد رئيس الوزراء قائلاً: حرصنا على أن نحاول بكل الصور والسبل الممكنة إيجاد أرضية لوقف العمليات الحربية، وإعطاء الفرصة للتفاوض؛ لأن الصراع لن ينتهي أو يُحسم بحل عسكري على الأرض، بل يجب أن يكون هناك حل سياسي لإيقاف هذه المعركة. وبالتالي نؤكد مرة أخرى أن موقف الدولة المصرية الرسمي -قيادةً وحكومةً والشعب المصري بكل طوائفه- هو أننا نقف بجانب أشقائنا من الدول العربية التي تتعرض حالياً للاعتداءات، ونؤكد تضامننا الكامل معهم، واستعداد مصر -بالتأكيد دائماً- لتقديم كافة سبل الدعم لهم.
وفي سياق استعراض التداعيات الاقتصادية، قال الدكتور مصطفى مدبولي: من واقع متابعتكم لتداعيات هذه الحرب على العالم أجمع، يمكن القول بمنتهى الشفافية للمواطنين إنه منذ اندلاع هذه الأزمة بدأنا ندرك تماماً حجم التأثير المباشر وغير المباشر على الاقتصاد المصري؛ ولذا تم على الفور تشكيل اللجنة المركزية للأزمات، التي تجتمع مرة أو مرتين أسبوعياً، وكان آخرها اجتماع أمس الذي استغرق أكثر من ثلاث ساعات؛ لمناقشة تداعيات الحرب والعمليات العسكرية. ولكن لا يزال أمامنا وأمام العالم كله تحدٍّ واضح، وهو عدم القدرة على استنتاج مدى زمني محدد لانتهاء تلك الحرب؛ فهناك تفسيرات وتوقعات عديدة بأن تمتد لأسابيع، وأقاويل أخرى تتوقع امتدادها لشهور قادمة، وسواء امتدت لأسابيع أو شهور، فكل ذلك له تأثيرات كبيرة على اقتصاديات العالم.
وأضاف: لابد للإعلام أن يعرض هذه التداعيات ومعاناة العالم منها، بما يتضمنه ذلك من تضخم، وارتفاع في أسعار الوقود ومختلف السلع والمنتجات الذي طال الدول الكبرى أيضاً.
ومن هنا، لا بد للجميع أن يعي أننا أمام أزمة عالمية حقيقية، وهي أزمة استثنائية جعلت العالم يموج في ظروف شديدة الصعوبة، وهناك تقارير تصدرها المؤسسات الدولية تحذر من تداعيات هذه الحرب التي ستطال الجميع، وستترك آثارها حتى بعد توقفهـا.
وقال: لقد قرأنا كدولة هذا المشهد منذ اللحظة الأولى، وندرس القرارات والإجراءات التي يمكن اتخاذها لتقليل آثار تلك التداعيات على الدولة والمواطن، ونحن حريصون على إطلاع المواطن على كل ما تقوم به الحكومة من خطوات وإجراءات، ولعل ذلك ما أكده فخامة السيد رئيس الجمهورية في حفل إفطار الأسرة المصرية من ضرورة مشاركة المواطن المصري في كل تفاصيل الأزمة والإجراءات التي تتخذها الحكومة حيال ذلك.
وتابع رئيس مجلس الوزراء: سأسوق في هذا الصدد بعض الأرقام للوقوف على أبعاد الموقف الراهن؛ فإن أساس حركة أي اقتصاد هي الطاقة، والمتمثلة في المنتجات البترولية والغاز الطبيعي والكهرباء، والتي تعتمد في الجزء الأكبر من إنتاجها وتوليدها على الغاز الطبيعي، ووفقاً لما ورد في شرح فخامة السيد رئيس الجمهورية. ففي اليوم السابق لاندلاع الحرب، كانت فاتورة الغاز الطبيعي الشهرية التي تستوردها مصر من الخارج لتدبير الاحتياجات -إلى جانب الإنتاج المحلي- تبلغ 560 مليون دولار شهرياً. واليوم، كم يبلغ سعر الكمية ذاتها؟ لقد وصلت إلى مليار و650 مليون دولار؛ وهنا تجب الإشارة إلى الفارق بين رقمي 560 مليوناً ومليار و650 مليوناً، أي بزيادة قدرها مليار و100 مليون دولار في الشهر؛ وذلك لتوفير الغاز اللازم لتوليد الكهرباء وضخه في الشبكة لضمان تشغيل المصانع والإنتاج وتوفير فرص العمل.
وأضاف: هذا فيما يخص بند الغاز وحده، أما فيما يتعلق بالمنتجات البترولية وتطوراتها؛ ففي اليوم السابق لاندلاع الحرب كان سعر برميل النفط 69 دولاراً، وحين اتُخذت القرارات التي كان من المعلوم تماماً أنها قد تواجه بعدم رضا نظراً لزيادة الأسعار، كان سعر البرميل في ذلك الوقت قد وصل إلى 93 دولاراً، ثم انخفض بعدها بيوم أو يومين إلى 87 دولاراً، حتى إن بعض الآراء طرحت وقتها أن القرار اتُّخذ بتسرع وكان يجدر الانتظار.
وأشار رئيس الوزراء إلى أنه قبل انعقاد هذا اللقاء، وصل السعر إلى 108.5 دولار، أي بزيادة قدرها 15 دولاراً عن اليوم الذي أُعلنت فيه القرارات، وتلك الزيادة جاءت نتيجة تواتر أنباء عن استهداف بعض المنشآت النفطية في إيران، وهو ما أدى إلى حالة ارتباك شديد في السوق؛ فالخبر الواحد يؤثر في السعر، والدولة مُلزمة بتدبير احتياجات البلاد، وهنا مكمن القضية التي أتناولها الآن.
ولفت الدكتور مصطفى مدبولي إلى أن السعر الذي استقر عند 69 دولاراً قبل الحرب، تراوح بالأمس ما بين 103 و105 دولارات، ليصل حالياً إلى 108.5 دولار، مشيراً إلى وجود تحليلات ترجح أنه في حال تفاقم الأوضاع قد نصل إلى 150 و200 دولار للبرميل؛ وأوضح أن هذا يعني ببساطة أنه حتى لو توقف السعر عند مستوى 105 دولارات -بمعزل عن الزيادة الحاصلة الآن- فإن الزيت الخام يكون قد زاد بنسبة 50%.
وقال رئيس الوزراء: والأهم من ذلك هو (السولار) الذي يدخل في كل شيء؛ فقد كانت قيمة طن السولار قبل الحرب 665 دولاراً، واليوم قفز سعره إلى 1604 دولارات، أي أن الزيادة تقترب من 1000 دولار في الطن. وكذلك (البوتاجاز) سار على المنوال ذاته، فقد كان سعره 510 دولارات للطن، واليوم وصل إلى 720 و730 دولاراً، بنسبة زيادة تصل إلى 33% أو 34%.
وأوضح رئيس مجلس الوزراء أن الدولة تلتزم بتدبير فاتورة شهرية لاحتياجات الطاقة، ولكن هذه الفاتورة تضاعفت حالياً لتصل إلى مرتين أو مرتين ونصف، ومع ذلك فإن الدولة مطالبة بضمان حركة الاقتصاد والتعامل مع هذه الأزمة، مشيراً إلى أن التحدي الواضح أمام الحكومة يتمثل في المدى الزمني لهذه الحرب؛ فإذا استمرت لمدة شهر أو شهرين فستحاول الدولة قدر الإمكان تحمل تداعياتها، ولكن التقديرات الحالية تشير إلى احتمالية استمرارها لعدة أشهر، أو لنهاية العام 2026، وهو ما يفرض عبئاً كبيراً تتحمله الدولة لتدبير الاحتياجات اللازمة لاستمرار حركة البلاد.
وأضاف: لقد اتخذنا قرارات بزيادة الأسعار ونحن نعي تماماً تداعيات ذلك على أسعار الوقود والسلع والمنتجات، ولكن تلك القرارات كانت مبنية على سعر 93 دولاراً للبرميل، أما اليوم وفي ظل الزيادات الحالية، فلا يمكن الاستمرار في مواجهة الأمر بزيادات سعرية فقط، بل يجب أن تكون هناك أفكار أخرى، وعلى رأسها ترشيد الاستهلاك كبديل مواز؛ بحيث يبدأ الترشيد في الكميات التي يتم استخدامها.
ولفت الدكتور مصطفى مدبولي إلى دور المواطن بالتكامل مع الحكومة في هذا الصدد، موضحاً أن الترشيد يشمل حركة المركبات في الشوارع، والانتقالات، واستهلاك الكهرباء؛ فكلما نجحنا في ترشيد الاستهلاك، ساهم ذلك في تخفيف أعباء الفاتورة الشهرية التي تلتزم الدولة بتحملها.
وأعرب رئيس الوزراء عن تطلعه لأن تنتهي هذه الحرب في أسرع وقت لتنحسر تداعياتها وتعود عجلة الحياة لطبيعتها، مستدركاً: لكننا مضطرون للعمل على السيناريو الأسوأ وهو امتداد أمد الحرب؛ ولذا تركز الجزء الأكبر من اجتماع مجلس الوزراء اليوم على مناقشة خطة التحرك للفترة المقبلة للتعامل مع تلك التداعيات، وفي مقدمتها موضوع ترشيد الاستهلاك.
وأكد الدكتور مصطفى مدبولي أن الدولة بدأت من جانبها بقرارات ترشيد الإنفاق؛ بهدف إبطاء بعض الأنشطة والنفقات التي كانت تعد عادية في الظروف الطبيعية، وذلك لتكوين احتياطي كبير في الموازنة يُخصص للإجراءات الاستثنائية؛ حيث أقر المجلس اليوم وقف أو تأجيل بعض البنود لمدة شهرين لمتابعة تطورات الأوضاع، وتجميع هذه الأموال للتحرك في حال اتخاذ أي قرار مفاجئ أو استثنائي.
واشار إلى صدور قرار -تم التأكيد على تطبيقه اليوم- بإيقاف إنارة كل الإعلانات على الطرق، وتخفيض إنارة الشوارع لأقل نسبة ممكنة بما لا يخل باشتراطات الأمن والسلامة، مع توجيه السادة الوزراء والمحافظين وجميع الجهات المعنية بالتطبيق الصارم لهذه الإجراءات.
وفي سياق متصل بالإجراءات المتخذة، أشار رئيس مجلس الوزراء إلى أنه تقرر إغلاق الحي الحكومي بالكامل بعد إجازة العيد مباشرة في تمام الساعة السادسة مساءً؛ حيث ينتهي العمل ويغادر جميع الموظفين وتُغلق شبكة الإنارة والطاقة للمساهمة في عملية التوفير، على أن يستكمل السادة العاملون بالوزارات أي أعمال إدارية متبقية من المنزل.
وأضاف: وفي إطار إجراءات الترشيد التي تم التوافق عليها، فإنه اعتباراً من يوم السبت الموافق 28 مارس، سيتم إغلاق جميع المحال والمولات التجارية والمطاعم والكافيهات في تمام الساعة التاسعة مساءً خلال أيام الأسبوع، مع السماح بالعمل حتى الساعة العاشرة مساءً يومي الخميس والجمعة. وهذا الإجراء، وفقاً لبيانات وزارة الكهرباء، سيساهم في تقليل الاستهلاكات الكبيرة. ونحن ندرك أن المنشآت المتأثرة قد ترى في ذلك ضرراً لأعمالها، لكننا نتخذ إجراءات متدرجة؛ حيث سيطبق هذا القرار لمدة شهر واحد بدءاً من 28 مارس، وستتم مراجعته؛ فإذا انتهت الأزمة سنتراجع عن هذه القرارات، أما إذا استمرت فسنضطر للمد.