قناة صدى البلد البلد سبورت صدى البلد جامعات صدى البلد عقارات Sada Elbalad english
عاجل
english EN
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل

كتب نهايته بيده بالإدمان.. الابن العاق يقتل والده ويصيب والدته بسبب المخدرات بالفيوم

هيئة المحكمة
هيئة المحكمة

في منزل بسيط بمركز سنورس في محافظة الفيوم، عاشت أسرة كغيرها من الأسر المصرية، قوامها أب أفنى عمره في العمل والكفاح، وأم كرست حياتها لرعاية أبنائها، يحلمان بمستقبل أفضل لفلذات أكبادهما، وعلى رأسهم الابن "صلاح"، الذي استقبلوه يوم مولده بفرحة غامرة، وعلّقوا عليه آمالًا عريضة بأن يكون سندًا لهم في كبرهم.
كبر "صلاح" في كنف أسرة لم تبخل عليه بشيء، حيث أحاطه والداه بالرعاية والاهتمام، وسعيا لتربيته تربيةً صالحة، لكن مسار حياته لم يسر كما تمنيا، إذ بدأ تدريجيًا في الانحراف عن الطريق القويم، وانجرف نحو تعاطي المواد المخدرة، ليصبح أسيرًا لها، فاقدًا السيطرة على سلوكه وتصرفاته.
ورغم صدمة الأب، إلا أنه لم يتخل عن ابنه، بل سعى بكل ما يملك لإنقاذه من هذا المستنقع؛ فأدخله أكثر من مرة إلى مصحات علاجية، وأنفق عليه أموالًا طائلة، على أمل أن يتعافى ويعود إلى حياته الطبيعية. ولم يكتفِ بذلك، بل حاول احتواءه اجتماعيًا، فقام بتزويجه، ووفّر له مسكنًا مستقلًا مجهزا بكافة الاحتياجات، وفتح له باب العمل داخل متجره ليضمن له مصدر رزق كريم.

الإدمان بداية النهاية


لكن كل تلك المحاولات لم تجد نفعا، إذ عاد "صلاح" مرة أخرى إلى طريق الإدمان، وأصبح يعتمد على والده في الحصول على المال، ليسد احتياجاته من المواد المخدرة. ومع مرور الوقت، بدأت الخلافات تتصاعد داخل الأسرة، خاصةً بعدما لاحظ الأب أن ابنه يسرق من أموال المتجر لينفقها على تعاطيه.
وحين واجهه الأب، لم يفعل ذلك بقسوة، بل بحنان الناصح، طالبًا منه أن يكتفي بما يمنحه له يوميًا من مال، وألا يعتدي على حقوق إخوته، إلا أن هذه النصيحة لم تلقَ قبولًا لدى "صلاح"، الذي بدأ يشعر بالغضب والضيق، وتحوّل ذلك تدريجيًا إلى كراهية دفينة تجاه والده.

عاوز فلوس


ومع تفاقم الإدمان، ازدادت مطالبه المالية، وأصبح لا يقنع بما يُعطى له، حتى وصل به الأمر إلى تهديد والديه بالقتل في أكثر من مناسبة، بحسب ما كشفت عنه التحقيقات.
في تلك اللحظة، لم يعد الأمر مجرد خلاف عائلي، بل تحول إلى خطر حقيقي، إلا أن الأب، بدافع الحب والرحمة، لم يتخلَّ عن ابنه، واستمر في محاولة إصلاحه، غير مدرك أن النهاية ستكون مأساوية بهذا الشكل.

تفاصيل الجريمة


وفي فجر يوم الأول من مايو 2025، بينما كان المنزل غارقًا في سكون الليل، وقد استسلم جميع من فيه للنوم، كان "صلاح" مستيقظًا، وقد سيطرت عليه فكرة سوداء، بعد أن عقد العزم وبيت النية على تنفيذ جريمته.
أمسك بسلاح أبيض "سكين"، وتسلل بهدوء إلى غرفة نوم والديه، مستغلًا اطمئنانه إلى أن الجميع نيام، ودخل الغرفة التي طالما كانت ملاذًا آمنًا له في طفولته، لكنها في تلك اللحظة تحولت إلى مسرح لجريمة بشعة.
اقترب من والده، الذي كان نائمًا في هدوء، وبدون أي تردد، وجه إليه طعنتين نافذتين في منطقة البطن، استهدفتا أماكن قاتلة، ما أدى إلى قطع الأوعية الدموية الرئيسية، ونزيف حاد أودى بحياته في الحال.
على وقع تلك الطعنات، استيقظت الأم مذعورة، لترى مشهدًا يفوق الوصف، حاولت التدخل لإنقاذ زوجها، وصرخت مستغيثة، وتوسلت إلى ابنها أن يتوقف، إلا أن كل ذلك لم يحرك فيه ذرة رحمة.
بل على العكس، انقض عليها هو الآخر، مهددًا إياها بالقتل، ثم وجه لها طعنة غادرة في خاصرتها اليسرى، أحدثت إصابة خطيرة تمثلت في تهتك بالطحال ونزيف داخلي حاد، كاد أن يودي بحياتها لولا التدخل الطبي العاجل، الذي انتهى باستئصال الطحال، مخلفًا لديها عاهة مستديمة.

بعد تنفيذ جريمته، ترك "صلاح" المكان معتقدًا أنه أنهى كل شيء، وأنه لن يُكشف أمره، إلا أن القدر شاء أن تنجو الأم، لتكون الشاهد الحي على تفاصيل الجريمة، فيما أيقظت الواقعة باقي أفراد الأسرة، لتتكشف فصول المأساة.
انتقلت الأجهزة الأمنية إلى موقع البلاغ، وتم القبض على المتهم، فيما كشفت التحريات أن الدافع الرئيسي وراء الجريمة هو رغبة المتهم في الحصول على أموال لشراء المواد المخدرة، بعد أن رفض والده الاستمرار في منحه المال دون ضوابط.
وخلال التحقيقات، توافرت الأدلة التي أكدت ارتكاب المتهم للجريمة، من بينها أقوال والدته، وتقارير الطب الشرعي التي أثبتت أن إصابات الأب كانت كفيلة بإحداث الوفاة، بينما تسببت إصابة الأم في عاهة مستديمة.
أُحيلت القضية إلى الدائرة السادسة بمحكمة جنايات الفيوم برئاسة المستشار عبد الحكيم محسن الشربيني، رئيس المحكمة، وعضوية المستشارين إسلام خليل إبراهيم الرئيس بالمحكمة و مصطفى محمد فؤاد نائب رئيس المحكمة، وحضور عبد الله المغربي وكيل النائب العام، و أمانة سر مدحت محمد.واستمعت المحكمة إلى مرافعة النيابة العامة، عبد الله المغربي وكيل النائب العام،التي استعرضت تفاصيل الجريمة، مؤكدة أنها تمثل واحدة من أبشع صور العقوق التي شهدها المجتمع.

وكيل النائب العام: لم نسمع قط عن شيطان أغرى نفسه بقتل والديه

واستهل عبد الله إبراهيم المغربي وكيل النائب العامة مرافعته قائلا: أقف أمام عدالتكم، وقلبي يقطر أسى، ولساني يرتجف رهبة وجزعًا ، لأعرض بين أيديكم جريمة ما عرف التاريخ أفظع منها ، ولا شهدت القلوب أوجع منها ؛ جريمة انتهك المتهم الماثل أمامكم فيها قانون الطبيعة، وخالف ناموس الفطرة، وتنكر لأقدس رابطة عرفتها الخليقة. فلم نر قط حيوانًا مفترسا يفتك بأمه، ولا سبعًا ضاريًا يفتك بأبيه، ولم نسمع قط عن شيطان أغرى نفسه بقتل والديه، ولا عن كلب عقور افترس يد من رباه، فإذا بالماثل بين أيديكم يخترق كل هذه الحدود، ويكسر كل تلك القيود، ويقترف جرمًا ما اجترأ عليه وحش ولا أقدم عليه شيطان، فجعل من الرحمة قسوة، ومن البر جحودًا، ومن النعمة نقمة، فكان في فعله أضل من البهائم، وأقسى من السباع، وأجرأ من الشياطين.
وبعد استكمال الإجراءات القانونية، وعرض أوراق القضية على مفتي الجمهورية،وقبل النطق بحكم الإعدام على المتهم، قصاصًا لما ارتكبه من جريمة قتل عمد مع سبق الإصرار، والشروع في القتل.

رئيس المحكمة للمتهم : استحكم عليك الفساد و انحدرت في مهاوي التعاطي


وجه القاضي عبد الحكيم محسن الشربيني رئيس الدائرة السادسة بمحكمة جنايات الفيوم كلمة قائلا : إن هذه الواقعة تتحصل في مشهد يخرس الألسنة من هوله ويُقيم الدهر على ساق من الفزع، كأنّما انفلقت به الأرض عن شر مستطير، أو انصدعت به السماء عن بلاء عظيم؛ إذ نحن بإزاء نفسك التي تمردت على الفطرة، وخلعت ربقة الرحمة، حتى غدت - في قسوتها - أشد من حجارة قيل فيها ثم قست قلوبكم فهي كالحجارة أو أشد قسوة. فأنت يا " صلاح " وقد بلغت من العمر ستة وثلاثين عاما، ونشأت في بيت ظلّه أب رحيم، وأم رؤوم، فأفاضا عليك من عطفهما ما يلين الحديد، وسقياك من الإحسان ما لو صب على أرض جدباء لأنبتت خضرة ونماء. وقد حصلت على قسط من التعليم وحين لم تجد عملا عملت قصابًا في محلّ أبيك، ذلك الأب الذي لم يأل جهدًا في رعايتك، ولم يدخر وسعا في الإحسان إليك، حتى إذا بلغت أشدك، واشتد عودك، وطلبت السفر خارج البلاد، استجاب لك استجابة المحب المشفق، فأنفق عليك من ذات يده، وهيأ لك أسباب الرحيل، كأنما يدفعك إلى آفاق الرزق دفع الرجاء إلى قلب عطشان. فسافرت إلى أرض المملكة العربية السعودية، غير أنك لم تلبث فيها إلا شهرين، ثم عدت خائب المسعى، صفر الكفين، كغيم مر ولم يمطر أو ريح هبت ولم تُثمر.

ومع ذلك، لم يضق بك ذرعًا، ولم ينكص عن عهده في الإحسان، بل أعادك إلى محله، وأجزل لك العطاء، فأعطاك فوق أجرك، وسعى في تزويجك، وهيأ لك مسكنا، وبسط لك من أسباب الحياة ما تقوم به الأود وتستقيم به الحال، كأنما كان ينسج لك من خيوط البر درعًا يقيك غوائل الزمان.

غير أن نفسك إذا ران عليها الفساد، واستحكم فيها الداء، أعيتها يد الإصلاح؛ إذ انحدرت في مهاوي التعاطي، فغدوت أسيرًا للمخدرات تعب منها عب الظامئ من السراب، فهب أبوك لإنقاذك، وأدخلك مصحة للعلاج، وأنفق عليك من عرقه وماله، رجاء أن تبرأ من علتك، وتعود إلى سواء السبيل. لكنّ الشرّ إذا تمكّن، استأسد، وإذا استبد استبدى؛ فعدت إلى بطالتك، وطرحت العمل وراء ظهرك، بينما ظل أبوك وقد غلبت عليه عاطفة الأبوة يمدك بالمال، وإن كنت لا تعمل، ويحتملك، وإن كنت لا تستقيم. 

غير أن الطمع إذا استعر في القلب، أحرق ما حوله، فلا يشبع، ولا يقنع؛ فاستقللت ما يعطى، واستكثرت ما يبذل، وصرت كلما منعت عن المزيد ثرت ثوران الموج الهائج، تخاصم أباك، وتهدده بالقتل هو وأمك، حتى استولى عليك شيطان نفسك، فزين لك أقبح الجرائم وألقى في صدرك فكرة سوداء كليل مدلهم أن تريق دم أبيك وأمك بيدك الآثمة.