في مشهد إقليمي بالغ التعقيد، تبرز العاصمة الباكستانية إسلام آباد كأحد أبرز محاور الحراك الدبلوماسي الجاري، في ظل تصاعد ملحوظ للتوترات التي تلقي بظلالها على توازنات المنطقة بأكملها.
وتكتسب جولات التفاوض الحالية أهمية استثنائية، ليس فقط باعتبارها محاولة لاحتواء الأزمة، وإنما بوصفها اختبارًا حقيقيًا لقدرة القوى الفاعلة على إدارة الصراع دون الانزلاق إلى مواجهات مفتوحة.
ورغم المؤشرات التي تعكس رغبة ضمنية في احتواء التصعيد، فإن غياب توافقات نهائية حتى الآن يطرح تساؤلات واسعة حول حدود ما يمكن تحقيقه في هذه المرحلة، خاصة في ظل تشابك المصالح الإقليمية والدولية.
وتبقى جولات إسلام آباد نقطة ارتكاز أساسية في مسار الأزمة، في وقت تتزايد فيه الضغوط الدولية لاحتواء الموقف ومنع اتساع رقعة التوتر، ما يجعل من نتائج هذه المفاوضات عاملًا حاسمًا في تحديد ملامح المرحلة المقبلة، سواء نحو انفراجة نسبية أو مزيد من التعقيد.
أستاذ سياسة: إسلام آباد ليست طريقًا للسلام.. بل محاولة لمنع الانفجار الكبير
أكد أستاذ السياسة سعيد الزغبي في تصريحات خاصة لموقع صدى البلد أن المشهد الحالي يفتح الباب أمام عدة سيناريوهات محتملة، موضحًا أن السيناريو الأقرب يتمثل في “تهدئة تكتيكية” تقوم على اتفاق غير معلن بين الأطراف، يتبعه تخفيف نسبي للتصعيد مع ضمان أمن الملاحة، وهو ما يمكن وصفه بـ”هدنة غير مكتوبة” في إطار دبلوماسي مرن.
وأضاف الزغبي أن السيناريو الثاني يتمثل في “التجميد الطويل”، حيث تستمر المفاوضات دون الوصول إلى اتفاق نهائي، لكن في الوقت نفسه دون الانزلاق إلى حرب، وهو ما يعكس حالة من إدارة الأزمة بشكل مستمر بدلًا من حلها جذريًا.
وأشار إلى أن السيناريو الثالث يظل قائمًا، وهو “الفشل والتصعيد”، موضحًا أنه في حال تعثر المفاوضات قد نشهد ضربات عسكرية محدودة أو هجمات غير مباشرة عبر وكلاء، إلى جانب تصعيد في منطقة الخليج، إلا أنه استبعد تحول ذلك إلى حرب شاملة، مرجحًا أن يظل التصعيد في حدود محسوبة.
ووصف الزغبي مفاوضات إسلام آباد بأنها نموذج لـ”دبلوماسية حافة الهاوية”، حيث تقترب الأطراف من نقطة الصدام ثم تلجأ إلى التفاوض لتفادي الانفجار، مؤكدًا أن الهدف الحقيقي ليس تحقيق سلام شامل بين إيران والولايات المتحدة، بل منع اندلاع مواجهة كبرى وإدارة الصراع القائم.
وأوضح أن هذه المفاوضات أقرب إلى “إدارة التصعيد” منها إلى تسوية نهائية، حيث تركز على ثلاثة أهداف رئيسية: منع الحرب، وتنظيم التنافس، وخلق هدنة استراتيجية مؤقتة، لافتًا إلى أن مجرد انعقادها يعكس رغبة مشتركة في تجميد التصعيد مؤقتًا.
وأشار إلى وجود مؤشرات تدعم هذا الاتجاه، من بينها تراجع العمليات العسكرية المباشرة، وانخفاض حدة الخطاب السياسي، مع التركيز على مفاهيم مثل “الاستقرار الإقليمي”.
واختتم الزغبي تصريحاته بالتأكيد على أنه في حال نجاح المفاوضات، قد نشهد تبادلًا محدودًا للمكاسب، حيث يمكن أن تقدم واشنطن تخفيفًا جزئيًا لبعض القيود الاقتصادية ومرونة في الملفات المالية، مقابل خطوات من طهران تشمل ضبط مستوى التخصيب النووي وتعزيز التعاون في تأمين الملاحة، وهو ما قد ينعكس على خفض التوتر في الخليج وتأمين طرق الطاقة وفتح قنوات حوار أوسع، مؤكدًا أن ذلك يظل أقرب لتطلعات شعوب المنطقة أكثر منه تقديرًا حتميًا.