في كل عام، ومع حلول الثاني من أبريل، الذي أقرّته الأمم المتحدة يومًا عالميًا للتوعية باضطراب اضطراب طيف التوحد، تتزين المنصات باللون الأزرق، وتُكتب الكلمات الرقيقة، وتعلو الدعوات للتسامح والتقبل.
لكن السؤال الحقيقي الذي يجب أن نطرحه بصدق: هل تجاوزنا مرحلة “الوعي الشكلي” إلى “الفعل الحقيقي”؟.
وأتحدث اليوم بلسان أم لشاب من أصحاب اضطراب طيف التوحد تخرج هذا العام من الجامعة، الرحلة لم تكن سهلة، بل كانت مليئة بالصعوبات والتحديات والعراقيل، ونظرات مجتمع اعتبرنا غير منطقيين لمجرد محاولاتنا الدمج داخل المجتمع والمطالبة بالاحتواء.
كنت أخوض حربًا يومية، بل كل ثانية، من أجل أن يعيش ابني الوحيد حياة عادية، لم أكن أحلم بالمستحيل بل بأبسط حق له في الحياة، وفي نهاية الرحلة جاء النصر من رب العباد لنقول للمجتمع إن أصحاب طيف التوحد لهم حقوق، فصاحب اضطراب طيف التوحد إنسان له حقوق.
واستنزفنا ماديًا ومعنويًا، وعشنا عزلة اجتماعية حقيقية، وكأننا نعيش داخل “سجن التوحد”، لا نستطيع تبادل الزيارات مع الأهل والأصدقاء، ولا نستطيع أن نشارك في الأفراح أو الأحزان، فالحياة كلها أصبحت معركة يومية للبقاء والاستمرار.
ومع ذلك، لم يكن خيارنا الاستسلام يومًا، بل كان الإصرار هو طريقنا الوحيد لنثبت أن أبناءنا ليسوا عبئًا، بل أصحاب حق في الحياة والكرامة والاندماج الحقيقي داخل المجتمع، لا الاندماج الشكلي الذي يُقال ولا يُمارس.
نحن أمهات ذوي القدرات الخاصة، لا نستطيع أن ننام بعمق، ولا نعرف معنى الهدوء الكامل أو لحظات الاسترخاء والاستجمام. نحن محرومات من أبسط حقوقنا الإنسانية، لا ننعم بأي نوع من الرفاهية، بل نعيش في حالة استنفار دائم.
بعضنا محرومات حتى من سماع كلمة “ماما” إذا كان الابن أو الابنة من ذوي اضطراب طيف التوحد غير الناطق، فنعيش مشاعر الأمومة في صمت ثقيل لا يسمعه أحد.
لا نعرف كثيرًا عن عيد الأم كما تعرفه باقي الأمهات، ولا يلتفت إلينا أحد، وكأننا خارج دائرة الاحتفال والاهتمام، رغم أن معركتنا اليومية هي أقسى أشكال الأمومة وأكثرها صدقًا وإنسانية.
ورغم الجهود الكبيرة التي تبذلها الدولة المصرية في التوسع في خدمات الرعاية والتأهيل والدعم، ما زال المجتمع في كثير من الأحيان ينظر إلى أبنائنا وكأنهم “قنابل موقوتة”، تخشاهم الأغلبية العظمى، تنبذهم، وتستحل حقوقهم أحيانًا، وتُقلل من قدراتهم وإمكاناتهم، وكأن الاختلاف إدانة وليس تنوعًا إنسانيًا طبيعيًا.
إننا لا نطلب امتيازات خاصة، بل نطلب فقط إنصافًا حقيقيًا، ووعيًا أعمق، ومجتمعًا يرى في أبنائنا ما هم عليه بالفعل: طاقة تستحق الفرصة، لا خوفًا يُقصى، ولا حكمًا مسبقًا يُغلق أبواب الحياة في وجوههم.
الحقيقة أن الوعي وحده لا يكفي، بل قد يكون أحيانًا ستارًا مريحًا نخفي خلفه عجزنا عن اتخاذ خطوات جادة. فالأشخاص ذوو التوحد لا يحتاجون فقط إلى تعاطف موسمي، بل إلى منظومة متكاملة تضمن لهم حقهم في التعليم، والتأهيل، والعمل، والحياة الكريمة.
التوحد… ليس حالة فردية بل قضية مجتمع
اضطراب طيف التوحد ليس مجرد تشخيص طبي، بل هو حالة إنسانية ممتدة تمس الأسرة والمجتمع معًا. الأسرة التي لديها طفل من ذوي التوحد لا تواجه فقط تحديات تربوية، بل تتحمل أعباء نفسية ومادية هائلة. تبدأ الرحلة من صدمة الاكتشاف، مرورًا بمتاهة البحث عن متخصصين مؤهلين، وصولًا إلى صعوبة توفير برامج تأهيلية مستمرة ومكلفة.
وفي كثير من الأحيان، تُترك هذه الأسر وحدها في مواجهة مجتمع لا يفهم، أو لا يريد أن يفهم. هنا تتحول المعاناة من تحدٍ فردي إلى خلل مجتمعي في بنية الوعي والخدمات.
بين الدمج والإقصاء
تتحدث السياسات العامة كثيرًا عن “الدمج”، لكنه في الواقع لا يزال مفهومًا هشًا في التطبيق. الدمج الحقيقي لا يعني مجرد وجود الطفل داخل مدرسة، بل يعني تهيئة بيئة تعليمية قادرة على استيعابه، ومعلمًا مدربًا، ومنهجًا مرنًا، ونظام تقييم عادل.
أما ما يحدث في كثير من الأحيان فهو “دمج شكلي”، يُرضي الضمير المؤسسي، لكنه لا يخدم الطفل، بل قد يزيد من شعوره بالعجز والعزلة.
الاقتصاد الصامت للتوحد
هناك جانب آخر لا يُناقش كثيرًا، وهو التكلفة الاقتصادية الصامتة التي تتحملها الأسر. جلسات التخاطب، والعلاج السلوكي، والتأهيل المهني، كلها خدمات ضرورية لكنها باهظة الثمن، وغالبًا ما تكون خارج نطاق الدعم الحقيقي.
هذا الواقع يفرض سؤالًا مهمًا: هل يمكن الحديث عن “تكافؤ فرص” في ظل تفاوت القدرة على تحمل تكاليف التأهيل؟
من الرعاية إلى التمكين
التحول الحقيقي في التعامل مع التوحد يبدأ من تغيير الفلسفة نفسها: من “الرعاية” إلى “التمكين”.
الشخص من ذوي التوحد ليس عبئًا، بل طاقة كامنة، إذا أُتيحت لها البيئة المناسبة يمكن أن تتحول إلى إنتاج حقيقي وإضافة للمجتمع.
قصص النجاح موجودة، لكنها ليست معجزة، بل نتيجة دعم صحيح وتدريب مستمر وإيمان بالقدرات. المشكلة ليست في التوحد، بل في الطريقة التي ينظر بها المجتمع إليه.
دور المؤسسات… حين يتحول الإيمان إلى فعل
في هذا السياق، تبرز أهمية المؤسسات الأهلية الجادة، مثل مؤسسة إيزيس للخدمات الاجتماعية لدعم وتدريب وتعليم وتأهيل وتوظيف ذوي القدرات الخاصة، التي لا تكتفي بالشعارات، بل تعمل على الأرض في مجالات التدريب والتأهيل والتعليم والتوظيف.
هذه المؤسسات تمثل خط الدفاع الأول عن حقوق ذوي القدرات الخاصة، لكنها لا تستطيع وحدها أن تحمل العبء كاملًا. المطلوب هو شراكة حقيقية بين الدولة والمجتمع المدني والقطاع الخاص، قائمة على رؤية واضحة، لا على مبادرات موسمية.
وفي هذا الإطار، عملت وزارة التضامن الاجتماعي على التوسع في إنشاء مراكز التأهيل التابعة لها لضمان خضوعها للإشراف الرسمي وقطع الطريق على مراكز “البزنسة” و“بير السلم”، بهدف تخفيف الأعباء عن كاهل الأسر، وضمان تقديم رعاية متكاملة لأصحاب القدرات الخاصة، خاصة من ذوي اضطراب طيف التوحد. وقد برزت خلال السنوات الأخيرة نماذج ناجحة لمؤسسات أهلية لعبت دورًا محوريًا في هذا المجال، من بينها مؤسسة إيزيس للخدمات الاجتماعية لدعم وتدريب وتعليم وتأهيل وتوظيف ذوي القدرات الخاصة، والتي تتبنى منهجًا متكاملًا يبدأ باستقبال الحالات في سن مبكرة، والعمل على تأهيلها نفسيًا وسلوكيًا وتعليميًا، وصولًا إلى تمكينها من التعايش مع المجتمع بشكل طبيعي، بل وتوفير فرص عمل مناسبة لها، مع استمرار المتابعة خلال سنوات الدراسة، بما يضمن استدامة الدعم وتحقيق أفضل النتائج الممكنة.
ولم يكن الطرح الدرامي بعيدًا عن هذه القضية
حيث جاء مسلسل اللون الأزرق ليقدم صورة إنسانية مؤثرة تعكس جانبًا من معاناة الأسر التي لديها طفل من ذوي اضطراب طيف التوحد. فقد نجح العمل في تسليط الضوء على الضغوط النفسية اليومية، والصراعات الصامتة التي تعيشها الأسرة بين القلق على مستقبل أبنائها، ومحاولات التكيف مع مجتمع قد لا يكون مهيأً لتقبل الاختلاف. ورغم أن الدراما لا يمكن أن تنقل الصورة كاملة، إلا أنها تظل أداة مؤثرة في كسر الصمت، وفتح باب النقاش، وتحفيز المجتمع على فهم أعمق وأكثر إنصافًا لهذه الفئة.
الوعي الحقيقي… اختبار مستمر
الوعي لا يُقاس بعدد المنشورات، بل بعدد الفرص التي تُمنح.
ولا يُقاس بلون الإضاءة، بل بمدى قدرة الطفل على أن يجد مكانًا آمنًا في مدرسة، أو فرصة عمل تليق بكرامته، أو مجتمعًا لا ينظر إليه باعتباره “مختلفًا” بل “متنوعًا”.
في اليوم العالمي للتوحد، لا نحتاج فقط أن نتذكر، بل أن نُراجع أنفسنا:
هل نحن مجتمع يكتفي بالتعاطف، أم مجتمع يؤمن بالحق ويعمل لتحقيقه؟
الفرق بين الاثنين… هو الفرق بين الاحتفال، والتغيير الحقيقي.