قناة صدى البلد البلد سبورت صدى البلد جامعات صدى البلد عقارات Sada Elbalad english
عاجل
english EN
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل

د. شيماء الناصر تكتب: من يدفع ثمن الصراعات في العصر الحديث ؟

شيماء الناصر
شيماء الناصر

لم تعد الحروب في العصر الحديث مجرد صراع على الأرض أو النفوذ العسكري، بل تحولت إلى أدوات لإعادة تشكيل الاقتصاد العالمي ووسائل للهيمنة على مصادر الطاقة والموارد، فضلاً عن كونها سببًا رئيسيًا لعدم الاستقرار العالمي. ومع التقدم العلمي والتكنولوجي، ازدادت قدرة الإنسان على التدمير، ليس فقط للبشر، بل للبيئة أيضًا، التي أصبحت أحد أبرز ضحايا النزاعات المسلحة، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر.

التاريخ يقدم لنا شواهد قاسية على حجم الدمار البيئي الذي تسببه الحروب. فالكارثة التي خلفتها قنبلة هيروشيما النووية لا تزال آثارها ممتدة حتى اليوم، حيث لم يقتصر الدمار على الخسائر البشرية الهائلة، بل شمل تلوثًا إشعاعيًا طويل الأمد أثر على البيئة وصحة الإنسان والأجيال اللاحقة. كذلك، شهدت فيتنام واحدة من أبشع صور الإبادة البيئية، عندما تم استخدام “العامل البرتقالي”، ما أدى إلى تدمير ملايين الهكتارات من الغابات وتلويث التربة والمياه بمادة الديوكسين، مسببة أمراضًا خطيرة وتشوهات خلقية.

وفي منطقة الخليج، شكلت حرائق آبار النفط خلال حرب الخليج مثالًا صارخًا على الكوارث البيئية الحديثة، حيث أدت إلى تلوث الهواء بشكل واسع، وظهور الأمطار السوداء، وتكون بحيرات نفطية ألحقت أضرارًا جسيمة بالتربة والنبات. أما في مصر، فقد تركت الحرب العالمية الثانية إرثًا خطيرًا في منطقة العلمين، التي تحولت إلى أحد أكبر حقول الألغام في العالم، مما أعاق التنمية الزراعية وأثر على التنوع البيولوجي لسنوات طويلة، قبل أن تبذل الدولة جهودًا ضخمة لتطهيرها.

إعادة تأهيل هذه البيئات المتضررة تتطلب عقودًا من العمل واستثمارات بمليارات الدولارات، ما يؤكد أن الآثار البيئية للحروب لا تنتهي بانتهاء النزاع، بل تستمر لأجيال. وفي ظل التوترات الجيوسياسية الراهنة، يبرز خطر جديد يهدد منطقة بحر العرب، التي تعد واحدة من أهم المناطق الاستراتيجية عالميًا.

مع تصاعد التهديدات العسكرية المتبادلة، خاصة تلك التي تستهدف منشآت الطاقة والنفط والبتروكيماويات والمنشآت النووية، تزداد المخاوف من تداعيات بيئية كارثية. فاستهداف هذه المنشآت قد يؤدي إلى تسرب كميات هائلة من النفط والمواد الكيميائية السامة إلى البحر، نتيجة ضرب ناقلات النفط أو زرع الألغام البحرية، ما يهدد بتدمير الثروة السمكية والشعاب المرجانية، ويؤدي إلى تراجع التنوع البيولوجي بشكل حاد.

ولا يقتصر التأثير على البيئة البحرية، بل يمتد إلى الهواء، حيث يؤدي قصف المنشآت الصناعية إلى انبعاث كميات كبيرة من الغازات السامة والكربونية، ما ينعكس سلبًا على جودة الهواء وصحة السكان، ويسهم في انتشار الأمراض التنفسية والسرطانات. كما يؤدي تدمير البنية التحتية للطاقة إلى تعطيل الحياة اليومية والأنشطة الاقتصادية، ما يضعف الإنتاج ويؤثر على استقرار الاقتصاد المحلي.

في ظل هذه الظروف، قد تضطر أعداد كبيرة من السكان إلى النزوح من مناطقهم، نتيجة تدهور البيئة وتفاقم المخاطر الصحية، ما يؤدي إلى أزمات إنسانية جديدة، وزيادة معدلات الفقر، وتفكك النسيج الاجتماعي. كما أن فقدان السكان لبيئتهم الأصلية يهدد هويتهم الثقافية ويؤثر على استقرار المجتمعات على المدى الطويل.

أما السيناريو الأسوأ، فيتمثل في حدوث تسرب إشعاعي نتيجة استهداف منشآت نووية أو مواقع مرتبطة بها، وهو ما قد يؤدي إلى تلوث واسع النطاق يمتد عبر الحدود، ويجعل مناطق كاملة غير صالحة للحياة لفترات طويلة. مثل هذا التلوث لا يهدد فقط الحاضر، بل يترك آثارًا تمتد إلى الأجيال القادمة.

ورغم خطورة هذه التحديات، غالبًا ما تُعامل الآثار البيئية للحروب باعتبارها “أضرارًا جانبية” لا تحظى بالأولوية في حسابات القرار العسكري. هذا التجاهل يعكس غياب المسؤولية تجاه الإنسان والبيئة، ويطرح تساؤلات حول مدى التزام المجتمع الدولي بحماية البيئة في أوقات النزاعات.

في الواقع، يشير هذا الوضع إلى فشل واضح في التعاون الدولي لمواجهة الآثار البيئية للحروب، وغياب آليات فعالة لمحاسبة الأطراف المتسببة في هذه الأضرار أو إلزامها بتعويضات عادلة. ومع استمرار هذا الغياب، تظل الدول المتضررة، خاصة في العالم العربي، هي من تتحمل العبء الأكبر اقتصاديًا وبيئيًا.

إن الحاجة أصبحت ملحة لإعادة ترتيب الأولويات، بحيث لا يقتصر مفهوم الأمن على الجوانب العسكرية فقط، بل يشمل أيضًا الأمن البيئي، الذي يمثل أساس الحياة واستدامتها. فلا يمكن تحقيق استقرار حقيقي دون بيئة صحية وآمنة.

لذلك، يتطلب الوضع الحالي تبني رؤية شاملة تأخذ في الاعتبار الأبعاد البيئية والاجتماعية إلى جانب السياسية والعسكرية، مع تعزيز دور المنظمات الدولية والإقليمية في حماية البيئة أثناء النزاعات، ووضع آليات واضحة للمساءلة.

في النهاية، تبقى الحقيقة الأهم أن القوة الحقيقية لا تكمن في القدرة على التدمير، بل في حماية البيئة وضمان مستقبل آمن للأجيال القادمة. فالأمن لا يكتمل إلا حين يتوازن مع الاستقرار البيئي والاجتماعي، وحين تصبح حماية الأرض أولوية لا تقل أهمية عن حماية الحدود.