في كل مرة يجيء هذا اليوم لا يأتي كذكرى عابرة بل كنبض خفي يسري في وجدان وطن يعرف جيدا معنى أن تُمس كرامته ثم تعود إليه أكثر صلابة يوم عيد تحرير سيناء ليس تاريخا محفوظا بل حالة شعور تتجدد كأنها تحدث الآن كأن الأرض نفسها تهمس بأن الحكاية لم تنته.
كانت سيناء في لحظة من التاريخ بعيدة عن أهلها قريبة من القلب كجرح مفتوح لا يُرى لكنه يُحس بعد نكسة سبعة وستين بدأت رحلة ثقيلة لم تكن مجرد فقد أرض بل اختبار لمعنى الثبات كان الوطن يعيد ترتيب روحه قبل قوته وكان الناس يعيشون على يقين هادئ أن ما ضاع سيعود مهما طال الانتظار.
ثم جاء العبور في حرب أكتوبر 1973 كأن التاريخ قرر أن يغير لغته دفعة واحدة لم يكن المشهد مجرد حرب بل لحظة استرداد للثقة حين تحولت الإرادة إلى فعل وحين صار المستحيل فكرة قديمة لا مكان لها عبر الجندي وهو يحمل يقينه قبل سلاحه وكانت خلفه حكاية شعب كامل لا يعرف التراجع.
ومع أن صوت المعركة كان عاليا فإن ما تلاه كان أعمق أثرا، مرحلة من الصبر الواعي حيث تتحول القوة إلى حكمة ويتحول النصر إلى طريق طويل من التفاوض انتهى إلى اتفاقية كامب ديفيد حيث لم تُسترد الأرض دفعة واحدة بل عادت كأنها تُستعاد مع كل خطوة بثقة تعرف وجهتها.
ثم جاء اليوم الذي ارتفع فيه العلم فعادت سيناء وعاد معها شيء أكبر من حدودها الجغرافية، عاد الإحساس بأن الوطن لا ينسى حقه وأن الكرامة إذا غابت فإنها تعود أكثر حضورا.
لم تكن هذه الحكاية بطولة فرد ولا لحظة عابرة بل كانت نسيجا متكاملا جنود حملوا أرواحهم قبل أسلحتهم قادة قرأوا اللحظة بدقة ودبلوماسية عرفت كيف تكمل ما بدأته المعركة وشعب صبر دون أن يفقد إيمانه بأن النهاية تليق ببدايته
ولهذا نحتفل كل عام لا لنستعيد ما حدث بل لنحافظ على معناه نحتفل لأن الذاكرة حين تظل حية تبقى الكرامة يقظة ولأن الوطن الذي يعرف قيمة أرضه لا يسمح أن تُروى حكايته إلا بلسانه.
سيناء ليست فقط أرضا عادت بل معنى يتجدد كل عام يذكرنا أن ما يُسترد بالإرادة لا يضيع وأن ما كُتب بالتضحيات يظل حيا لا ينتهي.