افتتحت كريستينا ألبرتين، الممثل الإقليمي لمكتب مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة لمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا (ROMENA)، أعمال المائدة المستديرة المخصصة لقضاة محكمة النقض، والتي عقدت لبحث مسألة قبول الأدلة الرقمية في قضايا العنف السيبراني الموجه ضد النساء والفتيات.
وأكدت ألبرتين أن القضاء المصري يُعد شريكا رئيسيا للمكتب الأممي في جهود مكافحة الجريمة والفساد والجرائم السيبرانية، مشيرة إلى أن التعاون المشترك يهدف إلى تعزيز منظومة العدالة الجنائية وترسيخ سيادة القانون، خاصة في ما يتعلق بحماية النساء والفتيات من أشكال العنف الرقمي والإساءة عبر الإنترنت.
من جهته أكد الدكتور خالد سري صيام، أستاذ القانون الجنائي بجامعة جامعة عين شمس والخبير الاستشاري لدى مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة، أن التعامل مع الأدلة الرقمية في القضايا الجنائية يجب أن يوازن بدقة بين حجية الدليل واحترام الحق الأصيل في الخصوصية، وذلك خلال جلسة بعنوان «الأدلة الرقمية بين الحجية وانتهاك الخصوصية في سياق احترام حقوق الإنسان».
المرجعية الدولية الخصوصية كحق غير قابل للمساومة
أوضح صيام خلال الندوة النقاشية لقضاة محكمة النقض بشأن مقبولية الدليل الرقمي في قضايا العنف السيبراني المرتكبة ضد النساء والفتيات، أن الإطار الدولي يضع حماية الخصوصية في صدارة الحقوق، مستشهدا بما نصت عليه العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، ولا سيما المادة (17) التي تحظر أي تدخل تعسفي أو غير قانوني في خصوصيات الأفراد ومراسلاتهم كما أشار إلى التعليق العام رقم 16 الذي وسع نطاق الحماية ليشمل الاتصالات الرقمية.
وأضاف أن الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان، في مادتها الثامنة، تقيد تدخل السلطات في الحياة الخاصة بقيود صارمة، بحيث لا يُسمح به إلا في أضيق الحدود ووفق ما تقتضيه الضرورة في مجتمع ديمقراطي.

قرارات أممية ومعايير للمراقبة الرقمية
لفت صيام إلى أن قرار الأمم المتحدة 79/175 الصادر عام 2024 وضع معايير دقيقة للمراقبة والتقاط وجمع البيانات في العصر الرقمي، بما يضمن عدم تحول أدوات التحقيق إلى وسائل انتهاك للحقوق.
اتفاقية الجرائم السيبرانية توازن بين الملاحقة والحقوق
وأشار إلى أن اتفاقية الأمم المتحدة الشاملة للجرائم السيبرانية (ديسمبر 2024) تمثل أول صك دولي ملزم يحقق توازنا واضحا بين مقتضيات الملاحقة الجنائية وحماية حقوق الإنسان.
وبين أن الاتفاقية أرست مبادئ «الرقابة والإنصاف» من خلال إتاحة آليات قانونية للوصول إلى البيانات وتصحيحها و فرض تدابير أمنية لمنع الاختراق ووضع ضوابط صارمة لنقل البيانات عبر الحدود تقوم على تحديد الغرض والحد الأدنى من البيانات واشتراط الموافقة المسبقة و حماية الفئات المستضعفة وتجريم النشر غير الرضائي
وأكد صيام أن الاتفاقية شددت على حماية الفئات المستضعفة، خاصة الأطفال من الاستغلال الجنسي عبر الإنترنت، كما اعتبرت تجريم نشر الصور الحميمية دون رضا أصحابها خطوة محورية في حماية الكرامة الإنسانية.
الضمانات الإجرائية التناسب والضرورة
واختتم بالتأكيد على أن أي إجراء يتعلق بجمع الأدلة الرقمية يجب أن يخضع لمبدأي التناسب والضرورة، بما يحفظ الحريات العامة ويصون الحقوق الأساسية، مشددا على أن شرعية الدليل لا تنفصل عن شرعية الوسيلة التي جمع بها.
التحقيق الجنائي الرقمي الأداة الحاسمة لتحقيق العدالة في الجرائم السيبرانية
من جهته أكد الدكتور محمد حجازي، الخبير الاستشاري لدى مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة، أن الثورة السيبرانية فرضت واقعا جديدا على منظومة العدالة، بعدما انتقل مسرح الجريمة من نطاقه المادي الملموس إلى فضاء البيانات الرقمية الذي لا تحده حدود مكانية ولا زمنية، وذلك خلال جلسة بعنوان «ماهية الدليل الإلكتروني ودوره في الإثبات».
العدالة في مواجهة الفضاء الرقمي
أوضح حجازي أن هذا التحول الجذري وضع القضاء أمام تحدي غير مسبوق، إذ لم تعد وسائل الإثبات التقليدية كافية لاستجلاء الحقيقة في الجرائم ذات الطبيعة الرقمية، مشيرًا إلى أن وظيفة القضاء الأصيلة في كشف الحقيقة باتت تتطلب أدوات أكثر دقة وموثوقية تتناسب مع طبيعة الأدلة المستمدة من البيئة السيبرانية.

التحقيق الجنائي الرقمي الأداة الرئيسية
وأشار إلى أن التحقيق الجنائي الرقمي أصبح الأداة الرئيسية لتحقيق العدالة في الجرائم السيبرانية، لما يوفره من قدرة علمية وتقنية على تتبع الأدلة الرقمية واستخلاصها وتحليلها وفق منهجية دقيقة تواكب التطور التكنولوجي.
وبين أن هذا النوع من التحقيق يُعد فرعا تخصصيا قائما على أسس تقنية ومعايير علمية مستمدة من علوم الحاسب، ويعمل في تكامل تام مع القواعد الإجرائية المقررة قانونًا، بما يضمن حجية الأدلة الرقمية ومصداقيتها وموثوقيتها أمام جهات القضاء.
ضمان شرعية الدليل وصحة الأحكام
وشدد حجازي على أن الهدف الجوهري من التحقيق الجنائي الرقمي لا يقتصر على جمع البيانات، بل يمتد إلى ضمان شرعية الدليل ذاته، بحيث يكون قابلا للاعتماد عليه قضائيا، ويسهم في صحة استدلال الأحكام القضائية في القضايا ذات البعد التقني.
واختتم بالتأكيد على أن العدالة في العصر الرقمي لم تعد خيارا تقنيا، بل ضرورة قانونية تفرض تطوير أدوات التحقيق والإثبات بما يواكب طبيعة الجرائم المستحدثة.



