بعد عقود من الانتظار والمطالبات بوضع تشريع يراعي الخصوصية العقائدية للمواطنين المسيحيين، شارف "قانون الأحوال الشخصية الموحد للمسيحيين" على الخروج للنور.
هذا القانون لا يمثل مجرد تعديلات تشريعية، بل هو ثمرة توافق تاريخي بين الكنائس المصرية الثلاث (الأرثوذكسية، الكاثوليكية، والإنجيلية) لإنهاء الأزمات العالقة في قضايا الزواج والطلاق.
توحيد المرجعية ووداعاً لـ “لائحة 1938”
فلسنوات طويلة، عانى المتقاضون من تشتت القواعد القانونية وتطبيق لائحة 1938 التي كانت تثير جدلاً واسعاً. فالقانون الجديد يأتي ليضع إطاراً موحداً يجمع بين:
ثوابت العقيدة: احترام الأسرار الكنسية وقواعد الزواج.
الحداثة: مراعاة التغيرات المجتمعية التي طرأت على الأسرة في القرن الحادي والعشرين.
ملف "الطلاق" وبطلان الزواج
يُعد ملف الطلاق هو الأكثر تعقيداً. وقد نجح القانون الجديد في التوسع في أسباب الانفصال بما لا يخالف الإنجيل، مع وضع تمايز طفيف بين الكنائس:
التوسع في أسباب الانفصال: أقر القانون الجديد التوسع في مفهوم "الزنا الحكمي" (مثل المكالمات الهاتفية أو المراسلات التي تثبت الخيانة) كسبب للطلاق.
بطلان الزواج: وضع قواعد واضحة لبطلان الزواج في حال ثبوت الغش (مثل إخفاء أمراض مزمنة أو عيوب جسدية تمنع العلاقة الزوجية) قبل الزواج.
الهجر: اتفق القانون على إمكانية طلب الطلاق في حالة "الهجر" لفترة زمنية محددة (تتراوح بين 3 إلى 5 سنوات حسب الحالة)، وهو ما يحل أزمات آلاف "المعلقين".
المساواة في الميراث
وفي سابقة قانونية، تضمن مشروع القانون مادة تنص على المساواة بين الذكر والأنثى في الميراث.
ويستند هذا البند إلى المادة الثالثة من الدستور المصري التي تمنح المسيحيين الحق في الاحتكام لشرائعهم.
ويُنهي هذا البند اللجوء إلى القواعد العامة التي كانت تطبق للذكر مثل حظ الأنثويين، مما يحقق عدالة اجتماعية داخل الأسرة المسيحية.
التبني وعودة الحق في الاحتضان
كما أعاد القانون الجديد تنظيم مسألة التبني للمسيحيين، وهو مطلب كنسي وشعبي قديم.
ويضع القانون شروطاً دقيقة تضمن مصلحة الطفل الفضلى، مع توفير غطاء قانوني للأسر التي ترغب في رعاية الأطفال الأيتام ومنحهم اسم العائلة وحق الميراث وفقاً للضوابط الكنسية.
إجراءات الزواج والخطبة
كما وضع القانون تنظيماً دقيقاً لفترة "الخطبة" وحالات فسخها، وكيفية استرداد الشبكة والهدايا، كما شدد على إلزامية "الكورسات التدريبية" للمقبلين على الزواج لتقليل نسب الطلاق المستقبلي.
استقرار مجتمعي
وبالتالي فإن صدور هذا القانون يمثل خطوة جبارة نحو ترسيخ مفهوم المواطنة، حيث يمنح كل مواطن الحق في أن تُحكم أخص خصوصياته (أسرته) وفقاً لمعتقده. ويبقى الرهان الآن على سرعة إقراره من مجلس النواب وتطبيقه في المحاكم لرفع المعاناة عن آلاف الأسر.
وخاصة أن قانون الجديد يعتبر محاولة لترميم جدران البيت المسيحي المصري، بدمج الروحانية الكنسية مع الواقعية القانونية.



