في ظل تصاعد التوترات السياسية داخل إسرائيل، عاد الحديث مجددًا عن مشروع إلغاء اتفاق أوسلو إلى واجهة المشهد، وسط تحركات يقودها اليمين المتطرف للضغط على حكومة بنيامين نتنياهو وتشديد موقفها تجاه أي مسار تفاوضي يتعلق بقطاع غزة أو القضية الفلسطينية.
وبينما يثير المشروع حالة واسعة من الجدل داخليًا وخارجيًا، تتزايد التساؤلات حول فرص تطبيقه فعليًا، وانعكاساته المحتملة على الهدنة الحالية ومستقبل المفاوضات.
وفي هذا السياق، كشف أستاذ السياسة الدولية سعيد الزغبي، في تصريحات خاصة، أبعاد المشروع وأهدافه الحقيقية، مؤكدًا أنه يمثل أداة ضغط سياسية أكثر من كونه خطوة قابلة للتنفيذ في الوقت الراهن.
مشروع إلغاء أوسلو.. ضغط سياسي أكثر من كونه قرارًا قابلاً للتنفيذ
أكد أستاذ السياسة الدولية سعيد الزغبي أن مشروع إلغاء اتفاق أوسلو، رغم الضجة السياسية التي يثيرها داخل إسرائيل، لا يبدو قابلاً للتنفيذ في المدى القريب، موضحًا أن الأمر يتجاوز كونه “مجرد قانون”، ليصبح أداة ضغط سياسية تستخدمها أطراف اليمين المتطرف داخل حكومة الاحتلال.
واشنطن.. العقبة الأبرز أمام تمرير المشروع
وقال الزغبي، إن العائق الحقيقي أمام تمرير المشروع ليس داخليًا فقط، بل يرتبط بالموقف الأمريكي، موضحًا أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يدرك جيدًا أن واشنطن لا تزال تمثل “السقف السياسي” لتحركات حكومته، خاصة في ظل سعي الإدارة الأمريكية للحفاظ على صيغة تفاوضية مرتبطة بما يُعرف بـ“صفقة القرن 2”، والتي تحتاج إلى غطاء سياسي شكلي، وليس نسفًا كاملًا لاتفاق أوسلو في الوقت الحالي.
أوسلو يُنتهك ميدانيًا منذ سنوات
وأضاف أن إسرائيل، على أرض الواقع، تنتهك اتفاق أوسلو منذ سنوات عبر التوسع الاستيطاني والسيطرة الأمنية والعسكرية الكاملة على الضفة الغربية، معتبرًا أن إلغاء الاتفاق رسميًا لن يغيّر كثيرًا من الواقع الميداني، وهو ما يجعل المشروع أقرب إلى “ورقة ضغط سياسية” منه إلى قانون قابل للتطبيق الفوري.
الاعترافات الدولية بفلسطين تربك الحسابات الإسرائيلية
وأشار أستاذ السياسة الدولية إلى أن التوقيت الدولي الحالي لا يخدم تمرير مثل هذا المشروع، خاصة بعد تزايد الاعترافات الدولية بالدولة الفلسطينية خلال العامين الماضيين، من جانب دول كبرى مثل فرنسا وإسبانيا وكندا وأستراليا، مؤكدًا أن إقرار قانون بهذا الحجم قد يفجر أزمة سياسية جديدة بين إسرائيل والدول الأوروبية في توقيت حساس يشهد تصاعدًا في الضغوط والعقوبات.
اليمين المتطرف يضغط على نتنياهو بورقة أوسلو
وأوضح الزغبي أن المشروع يخدم ثلاثة أهداف رئيسية في آن واحد، أولها الضغط الداخلي على نتنياهو، حيث يستخدمه اليمين المتطرف كورقة لإبقائه داخل المسار المتشدد ومنعه من تقديم أي تنازلات خلال مفاوضات الهدنة، عبر توجيه رسالة واضحة مفادها: “أي تنازل قد يهدد بقاء الحكومة”.
رفع سقف التفاوض مع حماس
وتابع أن الهدف الثاني يتعلق برفع سقف التفاوض مع حركة حماس، موضحًا أن أي حديث عن ترتيبات “اليوم التالي للحرب” أو إدارة قطاع غزة سيُواجَه داخليًا داخل إسرائيل باتهامات بتمهيد الطريق لإقامة دولة فلسطينية، وهو ما يفسر التعثر المستمر في مسار المفاوضات.
وأضاف أن المستوى الثالث يتمثل في “الاستباق التشريعي”، موضحًا أن مجرد طرح المشروع داخل أروقة الكنيست يهدف إلى رسم حدود سياسية مسبقة وإرباك أي مبادرات سلام مستقبلية، حتى وإن لم يتم تمريره رسميًا في الوقت الحالي.
مناخ سياسي يهدد فرص الهدنة
وحول تأثير المشروع على الهدنة الجارية، أكد الزغبي أن التأثير لا يرتبط بالقانون ذاته بقدر ما يرتبط بالمناخ السياسي الذي يخلقه داخل إسرائيل، موضحًا أن المشروع يضيّق هامش المناورة أمام نتنياهو، ويجعل أي مقترحات تتعلق بهدنة طويلة أو إدارة مدنية لغزة عرضة لاتهامات داخلية بـ“الخيانة”.
وأشار إلى أن المشروع يضعف كذلك موقف السلطة الفلسطينية، باعتبار أن شرعيتها السياسية تستند بالأساس إلى اتفاق أوسلو، وبالتالي فإن أي تحرك رمزي لإلغاء الاتفاق يربك دور السلطة في أي ترتيبات محتملة تخص “اليوم التالي” في غزة.
حماس تستفيد من تعثر المسار السياسي
كما لفت إلى أن حركة حماس قد تستفيد سياسيًا من هذا المناخ، إذ يعزز المشروع الرواية التي تروج لها الحركة بشأن فشل المسار السياسي والتفاوضي مع إسرائيل، بما يقوي موقفها التفاوضي ويمنحها مساحة أكبر للصمود.
تأجيل المناقشة لا يعني إسقاط المشروع
واختتم الزغبي تصريحاته بالتأكيد على أن تأجيل نتنياهو مناقشة المشروع لا يعني رفضه، بل يعكس إدراكه لحساسية المرحلة وخطورة خسارة الغطاء الأمريكي في هذا التوقيت، مرجحًا أن يظل المشروع “سيفًا سياسيًا” يستخدمه اليمين الإسرائيلي كلما أراد الضغط على نتنياهو، دون أن يتحول إلى قانون مطبق فعليًا في المستقبل القريب طالما استمر الضغط الأمريكي.
مهران: مشروع إلغاء أوسلو مناورة سياسية لن تغير الالتزامات الدولية لكنه يهدد بتفجير الهدنة الهشة في غزة
وفي نفس السياق خبير دولي يكشف تأثيرات مشروع إلغاء أوسلو الخطيرة علي القضية الفلسطينية.
مناورة سياسية داخلية
أكد الدكتور محمد محمود مهران أستاذ القانون الدولي العام الخبير البارز في النزاعات الدولية أن مشروع القانون الإسرائيلي المقدم من نائبة رئيس الكنيست ليمور سون هار ميليخ لإلغاء اتفاقية أوسلو وبروتوكول الخليل ومذكرة واي ريفر والمقرر مناقشته اليوم الأحد 10 مايو 2026 في اللجنة الوزارية للتشريعات يمثل مناورة سياسية داخلية أكثر منه خطوة قانونية ذات آثار فورية، لكنه يحمل تهديداً خطيراً لوقف إطلاق النار الهش في غزة.
واضاف مهران في تصريحات خاصة لـ صدى البلد ، أن القانون الدولي واضح في هذا الشأن، مشيراً إلى أن المادة 26 من اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات 1969 تنص على أن كل معاهدة نافذة ملزمة لأطرافها وعليهم تنفيذها بحسن نية، موضحاً أن إسرائيل لا تستطيع الانسحاب من أوسلو بإرادة منفردة دون موافقة الطرف الآخر، مؤكداً أن أي قانون داخلي إسرائيلي لإلغاء الاتفاقية يعتبر باطلاً في القانون الدولي.
واوضح أن المادة 27 من اتفاقية فيينا تحظر على الدولة الاحتجاج بأحكام قانونها الداخلي لتبرير عدم تنفيذ معاهدة دولية، مشيراً إلى أن إسرائيل لو أقرت هذا القانون فإنها تظل ملزمة دولياً باتفاقية أوسلو وستتحمل مسؤولية دولية كاملة عن خرقها لالتزاماتها التعاهدية.
ولفت الخبير الدولي إلى أن مقدمة المشروع التي تزعم أن أوسلو جلبت الإرهاب بدلاً من السلام تتجاهل حقيقة أن إسرائيل هي التي انتهكت الاتفاقية بشكل ممنهج عبر مضاعفة عدد المستوطنين من 110 آلاف عام 1993 إلى أكثر من 700 ألف حالياً، موضحاً أن دعوة المشروع لتعزيز الاستيطان في المناطق أ و ب تشكل انتهاكاً صارخاً لاتفاقية جنيف الرابعة التي تحظر نقل السكان المدنيين إلى الأراضي المحتلة.
إعلان حرب على أي تسوية سياسية
وأكد أن التوقيت بالغ الخطورة، حيث يأتي المشروع بينما تتعثر المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار في غزة مع تسجيل 850 شهيداً و3400 جريح منذ أكتوبر 2025، مشيراً إلى أن إقرار هذا القانون سيكون بمثابة إعلان حرب على أي تسوية سياسية وسيدفع المنطقة لتصعيد كارثي.
وأشار مهران إلى أن دعم وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير للمشروع واصفاً أوسلو بـ أكبر الأخطاء في تاريخ البلاد يعكس هيمنة اليمين المتطرف على الحكومة الإسرائيلية، موضحاً أن هذا التيار يسعى لفرض أمر واقع بالضم الكامل للضفة الغربية وإنهاء أي أفق سياسي للفلسطينيين.
كما شدد الدكتور مهران على أن المشروع لن يحقق نتائج قانونية دولياً لأن القانون الداخلي لا يلغي الالتزامات الدولية، لكنه سيحقق نتائج كارثية على الأرض عبر تصعيد الاستيطان وتقويض السلطة الفلسطينية وتفجير الهدنة في غزة، محذراً من أن المجتمع الدولي إذا لم يتحرك فوراً لإدانة هذا المشروع ومحاسبة إسرائيل فإنه سيكون شريكاً في دفن حل الدولتين ومباركة الضم والفصل العنصري.

