في قراءة معمقة لتطورات المشهد الإقليمي المتسارع، وما يحمله من تداخلات سياسية وأمنية معقدة بين الولايات المتحدة وإيران وإسرائيل ودول الخليج، تبرز مجموعة من التساؤلات حول مستقبل التهدئة أو احتمالات الانزلاق نحو التصعيد.
وفي خضم التطورات المتسارعة التي تشهدها المنطقة، التقى موقع «صدى البلد» السفير يوسف مصطفى زاده، مساعد وزير الخارجية الأسبق وقنصل مصر العام الأسبق فى نيويورك، حيث تحدث حول طبيعة المرحلة الحالية التي تحمل مؤشرات متباينة تجمع بين رسائل التهدئة وضغوط التصعيد في آنٍ واحد، وسط تعقيدات إقليمية ودولية متزايدة.
في حال تعثر هذا المسار التفاوضي.. هل تتوقع عودة سريعة للتصعيد العسكري بين واشنطن وطهران؟
المرحلة الماضية شهدت محاولات متعددة داخل الكونجرس الأمريكي، وصلت إلى نحو خمس محاولات، وسط انتقادات حادة لسياسات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ، واتهامات بوجود قدر من التخبط في بعض القرارات، ما أدى إلى بروز معارضة داخلية قوية لم تقتصر على الكونغرس فقط، بل امتدت إلى دوائر سياسية وإعلامية داخل الولايات المتحدة بسبب الحرب على إيران.
انعكست هذه المعارضة أيضا على أداء الإدارة الأمريكية، حيث ظهرت في بعض الفترات تباينات في المواقف داخل البيت الأبيض، مع اعتماد الرئيس على نمط اتخاذ قرار مباشر، مقارنة بما كان يحدث في إدارات سابقة كانت فيها أدوار وزارات الخارجية والدفاع أكثر حضورا في إدارة الأزمات، كما حدث في حروب العراق وأفغانستان وبعد أحداث 11 سبتمبر.
كما أن الإطار القانوني الأمريكي، وخاصة قانون صلاحيات الحرب (War Powers Act)، يفرض قيودا زمنية على استخدام القوة العسكرية دون تفويض الكونغرس، بما يحد من قدرة أي إدارة على الاستمرار في العمليات العسكرية لفترات طويلة دون توافق سياسي داخلي، وهو ما يعكس حساسية القرار العسكري داخل النظام الأمريكي.

إلى أي مدى يمكن الوثوق في استدامة أي اتفاق محتمل مع إيران.. في ظل التجارب السابقة والتباينات داخل مراكز صنع القرار في طهران؟
ما يُعرف بمشروع “السلام” أو “Project Freedom” لم يحقق أهدافه المرجوة، سواء فيما يتعلق بالضغط على إيران أو الحد من برنامجها النووي أو تغيير سلوكها الإقليمي أو تغيير سلوكها الإقليمي، فإن المعادلة أكثر تعقيدًا مما كان ترامب يتصور.
إيران رغم الضربات التي تعرضت لها على مستوى البنية التحتية والمنشآت العسكرية والمدنية، لا تزال قادرة على الاستمرار، وأن كلفة الحرب بالنسبة لها لا تقارن بتكاليفها على الأطراف الأخرى، خصوصًا الولايات المتحدة وحلفائها، و الغرب بات يميل إلى تقليل الانخراط المباشر في التصعيد العسكري بسبب ارتفاع الكلفة الاقتصادية والسياسية.
كما تمكنت إيران خلال فترات التهدئة من إعادة ترتيب مساراتها التجارية عبر شبكات إقليمية ودولية، بما في ذلك خطوط نقل تمر عبر دول آسيوية مثل الصين وباكستان، في إطار ما يشبه “طريق الحرير”، إضافة إلى استمرار عمليات التصدير عبر مسارات بديلة وطرق التفافية للالتفاف على العقوبات.
وتتمتع طهران بقدر من الاكتفاء الذاتي في بعض القطاعات، سواء من حيث الموارد الطبيعية أو المياه، مقارنة بدول أخرى في المنطقة، وهو ما يمنحها قدرة نسبية على الصمود، رغم الضغوط الاقتصادية والعقوبات.
كيف تقيم دور إسرائيل في هذه المرحلة؟ وهل يمكن أن تتحرك بشكل منفرد عسكريًا إذا رأت أن الاتفاق لا يلبي مخاوفها؟
إسرائيل تتحرك في إطار حسابات دقيقة مرتبطة بالدعم الأمريكي، ولا يمكنها العمل منفردة لفترات طويلة دون غطاء سياسي وعسكري، حيث إن أي تصعيد واسع سيكون مرتبطًا بشكل مباشر بموقف واشنطن.
أما بالنسبة للتوازن العسكري في المنطقة، أشار إلى أن أنظمة الدفاع الجوي، رغم تطورها، تواجه تحديات أمام الهجمات الصاروخية الكثيفة والمتزامنة، وهو ما ظهر في نماذج سابقة في المنطقة، حيث تعتمد بعض التكتيكات على إغراق الدفاعات بعدد كبير من الصواريخ في وقت قصير.
كما أن التطور التكنولوجي في بعض الدول الإقليمية أدى إلى تغيّر طبيعة الصراع، حيث لم يعد يعتمد فقط على التفوق التقليدي، بل على قدرات الردع والهجمات غير المتماثلة، ما يخلق حالة من التوازن النسبي بين الأطراف.
و بعض الدول الإقليمية تعتمد بشكل متزايد على الدعم الخارجي في منظومات الدفاع، سواء من أوروبا أو من دول أخرى مثل باكستان وأوكرانيا، لتعويض أي فجوات في القدرات العسكرية.

في ظل الحديث عن جاهزية إسرائيل لاستخدام القوة.. هل نحن أمام سيناريو تصعيد إقليمي أوسع قد يتجاوز حدود المواجهة الأميركية الإيرانية؟
الوضع الإقليمي بالفعل يحمل عناصر قابلة للتوسع، لأن تداخل الملفات بين أكثر من دولة يجعل أي شرارة قابلة للامتداد، لكن في الوقت نفسه، هناك إدراك دولي وإقليمي بأن أي تصعيد شامل سيؤدي إلى خسائر يصعب احتواؤها، ليس فقط على مستوى الأطراف المباشرة، بل على مستوى الاقتصاد العالمي وأمن الطاقة، لذلك، السيناريو الأقرب هو استمرار حالة “التوتر المضبوط” أو الاشتباك المحدود، وليس انفجارا إقليميا شاملا، رغم أن احتمالات التصعيد تظل قائمة إذا حدث خطأ في التقدير أو تطور ميداني كبير.
كيف أثرت هذه التطورات على معادلات الأمن الإقليمي خاصة فيما يتعلق بحماية الممرات الحيوية مثل مضيق هرمز؟
مضيق هرمز أصبح بالفعل نقطة مركزية في معادلة الأمن الإقليمي والدولي، لأنه شريان رئيسي لحركة الطاقة العالمية، أي تهديد له ينعكس بشكل مباشر وفوري على أسعار النفط واستقرار الأسواق العالمية، وهو ما يضعه تحت مراقبة دولية مستمرة.
وبالتالي، أصبح هناك توجه متزايد نحو تعزيز الوجود الأمني والتنسيق البحري لضمان استمرار تدفق الملاحة، لأن تعطيل هذا الممر لا يؤثر فقط على الدول الإقليمية، بل على الاقتصاد العالمي بأكمله.

في ضوء كل ما سبق، هل تعتقد أن المنطقة دخلت مرحلة جديدة بملامح مختلفة.. أم أننا أمام جولة أخرى ضمن صراع ممتد قابل للاشتعال في أي وقت؟
ما نراه اليوم هو استمرار لصراع ممتد، لكن بأدوات مختلفة، لم يعد الصراع يعتمد فقط على الحروب التقليدية المباشرة، بل أصبح مزيجا من الضغط الاقتصادي، والتحركات غير المباشرة، والحروب بالوكالة، والرسائل السياسية المتبادلة.
لذلك يمكن القول إننا أمام مرحلة أكثر تعقيدا من السابق، لكنها ليست نهاية الصراع ولا بدايته الجديدة، بل امتداد له مع تغيير في الأدوات، وفي كل الأحوال، يظل هذا الصراع قابلا للاشتعال في أي لحظة إذا حدث خلل في التوازنات القائمة.
في ظل الدور المحوري الذي تلعبه مصر في جهود التهدئة الإقليمية واعتمادها سياسة الاتزان الاستراتيجي.. إلى أي مدى يمكن أن تسهم القاهرة في احتواء التصعيد بين الولايات المتحدة وإيران؟
تملك مصر قدرة حقيقية على الإسهام في احتواء أي تصعيد في الإقليم، بحكم علاقاتها المتوازنة مع مختلف الأطراف، وقدرتها على التواصل مع القوى الإقليمية والدولية دون انحياز حاد لطرف ضد آخر، هذا الاتزان يمنح القاهرة مساحة حركة دبلوماسية مهمة، خاصة في أوقات الأزمات المعقدة، ودور مصر لا يقتصر على الوساطة فقط، بل يمتد إلى خلق مساحات للحوار ومنع الانزلاق نحو المواجهة، وهو ما ظهر بوضوح في تحركاتها خلال السنوات الأخيرة، حيث تبنت سياسة تقوم على خفض التصعيد وتغليب الحلول السياسية على العسكرية، وهو ما يجعلها طرفًا مهمًا في أي معادلة استقرار إقليمي.



