استوقفتني مقولة سيدنا علي بن أبي طالب (رضي الله عنه) حين قال "يأتي على الناس زمان تكون العافية عشرة أجزاء تسعة منها في اعتزال الناس وواحدة في الصمت".
وكأن هذه الكلمات لم تُكتب لزمن مضى بل جاءت تصف هذا العصر بكل ما يحمله من ضجيج وتناقضات وتبدل في النفوس والعلاقات، ففي زمن أصبح فيه كثير من البشر يتقنون ارتداء الأقنعة ويجيدون إخفاء حقيقتهم خلف المجاملة والكلمات المنمقة، بات الإنسان يحتاج إلى وعي حقيقي يحمي به قلبه وروحه من الاستنزاف النفسي.
لم يعد التعب دائما من ضغوط الحياة وحدها بل من العلاقات التي تقوم على المصلحة، ومن مشاعر زائفة تشبه الصدق في بدايتها ثم تكشف الأيام هشاشتها
ومن أشخاص يقتربون بدافع الفضول أو المنفعة لا بدافع المحبة الصادقة.
وأصبح الإنسان في كثير من الأحيان محاطا بزحام من العلاقات التي تستنزفه بصمت يبتسم داخلها مجاملة، ويتحمل فوق طاقته حفاظا على الود، ويشرح نفسه كثيرا حتى لا يُساء فهمه، وحتى يصل أحيانا إلى مرحلة يشعر فيها أن هدوءه الداخلي يتآكل تدريجيا، ولهذا تصبح العزلة أحيانا راحة لا هروبا، ويصبح الصمت حكمة لا ضعفا؛ لأن كثرة الاحتكاك بالبشر في هذا الزمن تكشف كما كبيرا من التلون والتصنع والأحكام القاسية التي ترهق النفس دون أن نشعر.
ومع النضج يدرك الإنسان أن ليس كل من اقترب منه صديقا، ولا كل اهتمام حقيقيا، وأن بعض المسافات ضرورة للحفاظ على الاتزان النفسي لا قسوة ولا تكبرا.
ففي هذا الزمن تحديدا، قد لا تكون النجاة في كثرة العلاقات، بل في حسن اختيار من يستحق الاقتراب منا؛ لأن أكثر ما يؤذي الإنسان النقي ليس العداء الواضح بل الخذلان المتخفي خلف الود الزائف والكلمات المزينة بالمجاملة والمصلحة، ومع الأيام يتعلم الإنسان أن يحافظ على هدوئه الداخلي، وأن يبتعد عن كل علاقة تستنزف روحه أو تسرق راحته، فالعافية الحقيقية ليست في كثرة من حولنا
بل في الشعور بالأمان بينهم، وفي القدرة على العيش بسلام دون تصنع أو خوف أو إرهاق نفسي دائم؛ ولهذا كان الصمت أحيانا حكمة، وكان الابتعاد أحيانا حماية
وكانت المسافة بيننا وبين بعض البشر ضرورة حتى تبقى أرواحنا أكثر هدوءا واتزانا ونقاء.