لم تكن خسارة النصر لنهائي دوري أبطال آسيا 2 مجرد هزيمة عابرة في مباراة كرة قدم بل بدت وكأنها فصل جديد من رواية طويلة اعتادت جماهير الفريق الأصفر قراءتها في السنوات الأخيرة رواية تبدأ دائمًا بالأحلام الكبيرة والطموحات اللامحدودة ثم تنتهي بصورة مؤلمة عند اللحظة الأخيرة.
ففي ليلة كان يفترض أن تتحول إلى احتفال تاريخي داخل الرياض وجد النصر نفسه مجددًا واقفًا أمام مشهد مألوف فريق يملك أسماء عالمية وجماهير تملأ المدرجات وضغطًا إعلاميًا ضخمًا ثم نهاية تحمل الخيبة ذاتها التي طاردت النادي مرارًا في البطولات الكبرى.
الهزيمة أمام جامبا أوساكا لم تكن فقط خسارة لقب قاري بل أعادت إلى الواجهة سؤالًا قديمًا يطارد النصراويين منذ سنوات: لماذا يسقط الفريق دائمًا عندما تقترب لحظة المجد؟
نهائي جديد.. ونهاية مألوفة
دخل النصر المباراة النهائية مدججًا بالنجوم يتقدمه الأسطورة البرتغالية كريستيانو رونالدو ومعه البرتغالي جواو فيليكس تحت قيادة المدرب المخضرم خورخي خيسوس وسط توقعات واسعة بأن الفريق السعودي بات الأقرب لحصد اللقب القاري.
لكن ما حدث داخل أرض الملعب كان نسخة مكررة من سيناريوهات سابقة عاشها النصر في أكثر من مناسبة من سيطرة واستحواذ وفرص بالجملة مقابل هدف وحيد من المنافس أنهى كل شيء.
الفريق الياباني احتاج إلى تسديدة واحدة تقريبًا على المرمى ليخطف هدف الفوز عبر لاعبه التركي هوميت بينما عانى النصر من أزمة إهدار الفرص رغم الكم الهائل من المحاولات الهجومية طوال المباراة.
ومع صافرة النهاية خيم الصمت على المدرجات الصفراء بينما غادر رونالدو أرضية الملعب غاضبًا في مشهد عكس حجم الإحباط داخل الفريق.
رونالدو.. حلم قاري يتبخر من جديد
منذ وصوله إلى السعودية تحول رونالدو إلى الواجهة الأكبر لمشروع النصر لكن رغم الأرقام الفردية المذهلة التي حققها لا يزال الحلم الجماعي بعيدًا عن متناول الدون.
النهائي الآسيوي الأخير مثل فرصة ذهبية للنجم البرتغالي من أجل إضافة لقب قاري جديد إلى مسيرته التاريخية لكنه اصطدم مجددًا بالواقع القاسي الذي يطارد النصر في السنوات الأخيرة.
ورغم نشاط رونالدو الواضح خلال اللقاء ومحاولاته المستمرة لصناعة الفارق فإن الحارس الياباني أراكي وقف حائط صد أمام أغلب الفرص النصراوية فيما ضاعت أخطر فرص الدون في اللحظات الحاسمة.
اللافت أن الخسارة الأخيرة أعادت فتح ملف البطولات الضائعة منذ وصول رونالدو إلى النصر إذ بات الفريق يفقد الألقاب الواحد تلو الآخر رغم امتلاكه أسماء توصف بأنها من بين الأفضل في آسيا.
الصحافة العالمية: النصر أهدر اللقب بيديه
خيبة النصر لم تبقَ محلية فقط بل تحولت إلى مادة رئيسية في الصحف العالمية التي سلطت الضوء على الانهيار الجديد للفريق السعودي.
صحيفة آبولا البرتغالية وصفت ما حدث بأنه خيبة أمل في الرياض مؤكدة أن النصر كان الطرف الأفضل طوال المباراة لكنه دفع ثمن إهدار الفرص وسوء استغلال السيطرة.
أما صحيفة ريكورد فركزت على رد فعل رونالدو بعد المباراة مشيرة إلى أن قائد النصر غادر مباشرة إلى غرف الملابس دون استلام ميدالية الوصيف في مشهد يعكس حجم الغضب والإحباط.
في المقابل وصفت صحيفة ليكيب الفرنسية ما حدث بأنه سقوط مؤلم مؤكدة أن النصر كان قريبًا من حصد لقبين في وقت واحد قبل أن تتبخر الأحلام خلال أيام قليلة.
أما صحيفة آس الإسبانية فذهبت أبعد من ذلك بعنوان قاسٍ قالت فيه: سقوط مدوٍ لرونالدو معتبرة أن النجم البرتغالي لا يزال عاجزًا عن قيادة النصر إلى منصة التتويج القارية رغم كل الإمكانيات المتوفرة.
مسلسل الإخفاقات القارية يتواصل
المؤلم بالنسبة لجماهير النصر أن الخسارة الأخيرة لم تكن استثناءً بل امتدادًا لمسلسل طويل من الإخفاقات القارية.
في نسخة دوري أبطال آسيا 2020 كان الفريق على بعد خطوة واحدة من النهائي قبل أن يسقط أمام بيرسبوليس بركلات الترجيح رغم السيطرة الكبيرة وإهدار العديد من الفرص.
ثم جاء نصف نهائي 2021 أمام الهلال في ليلة تحولت إلى واحدة من أكثر الليالي قسوة على جماهير النصر بعدما خسر الفريق أمام غريمه التقليدي رغم امتلاكه مجموعة مميزة من النجوم.
وفي نسخة 2023 خرج النصر أمام العين بعد أخطاء دفاعية قاتلة ثم تكرر المشهد مجددًا أمام كاواساكي فرونتال في نصف نهائي دوري أبطال آسيا للنخبة الموسم الماضي.
وبالأمس عاد السيناريو ذاته أمام جامبا أوساكا لتصبح العقدة الآسيوية أكثر تعقيدًا بالنسبة للفريق الأصفر.
عقدة اللحظات الأخيرة تطارد النصر
ولم تتوقف خيبات النصر عند البطولة الآسيوية فقط بل امتدت إلى البطولات المحلية أيضًا حيث تحول الفريق في السنوات الأخيرة إلى ضحية متكررة للحظات الأخيرة.
في الموسم قبل الماضي فقد النصر لقب الدوري لصالح الاتحاد بعدما أهدر نقاطًا حاسمة في الأمتار الأخيرة من الموسم.
وفي الموسم الحالي بدا الفريق قريبًا من حسم اللقب خلال الديربي أمام الهلال قبل أن يستقبل هدف تعادل قاتل في الثواني الأخيرة ليؤجل الحسم ويعيد الجماهير إلى دائرة القلق.
بل إن ذاكرة النصراويين لا تزال تحتفظ بمشاهد أكثر قسوة مثل نهائي بطولة النخبة العربية عام 2000 حين أهدر الفريق ركلة جزاء في الوقت بدل الضائع أمام الهلال وكذلك نهائي كأس الملك الشهير بهدف المدافع محمد جحفلي الذي قلب اللقب في اللحظات الأخيرة.
خيسوس تحت الضغط
الهزيمة الأخيرة وضعت المدرب خورخي خيسوس في دائرة الانتقادات خاصة أن الجماهير كانت تنتظر منه قيادة الفريق نحو المجد القاري.
ورغم أن النصر ظهر بصورة هجومية جيدة وصنع عددًا كبيرًا من الفرص فإن كثيرين حمّلوا المدرب مسؤولية سوء قراءة المباراة وعدم إيجاد حلول أمام التنظيم الدفاعي للفريق الياباني.
وبات خيسوس مطالبًا الآن بإعادة التوازن النفسي للفريق سريعًا خاصة مع تبقي جولة حاسمة في الدوري السعودي قد تمنح النصر فرصة أخيرة لإنقاذ الموسم.
مواجهة ضمك.. اختبار نفسي قبل أن يكون فنياً
يدخل النصر مباراته المقبلة أمام ضمك وسط أجواء مشحونة نفسيًا بعدما تحولت المباريات الحاسمة بالنسبة للفريق إلى اختبارات معقدة ذهنيًا أكثر منها مواجهات فنية.
الجماهير النصراوية لم تعد تخشى المنافس فقط بل باتت تخاف من تكرار السيناريو ذاته سيطرة وفرص وأحلام كبيرة ثم نهاية تحمل الألم نفسه.
ولهذا فإن مواجهة ضمك لا تبدو مجرد مباراة لحصد ثلاث نقاط بل فرصة حقيقية أمام النصر لمحاولة كسر العقدة النفسية التي لازمته طويلًا واستعادة ثقة جماهير بدأت تفقد إيمانها بقدرة الفريق على حسم المواعيد الكبرى.

