قال الدكتور علي جمعة، مفتي الجمهورية، وعضو هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف، أن بعض الناس نظروا إلى الإنسان من جهة جسده، وشهوته، وغريزته فقط، وكأن النفس لا تُفهم إلا من باب المادة، ولا تُهذَّب إلا بإطلاق رغباتها، ولا تُقرأ إلا بعيدًا عن وحي الله وميراث النبوة.
وتابع: لكن القرآن الكريم يعلِّمنا أن الإنسان ليس شهوةً عابرة، ولا غريزةً منفلتة، ولا جسدًا يمشي على الأرض بلا غاية؛ بل هو مخلوق مكرَّم، خُلق للعبادة والعمارة. قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: 56].
نعم، في الإنسان نفسٌ أمَّارة بالسوء، تدعوه إلى الهوى والشهوة والغفلة، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي﴾ [يوسف: 53].
لكن الله تعالى لم يرد للإنسان أن يستسلم لهذه النفس، ولا أن يجعل هواه إلهًا يعبده، بل دعاه إلى التزكية والمجاهدة، حتى ينتقل من أسر الشهوة إلى مقام السكينة والرضا، ومن اضطراب الهوى إلى طمأنينة القلب.
النفس المطمئنة
ولهذا رسم لنا القرآن صورة النفس المطمئنة: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ المُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً فَادْخُلِي فِي عِبَادِي وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ [الفجر: 27-30].
النفس المطمئنة هي التي رضيت عن الله، فرضي الله عنها؛ عرفت غايتها، وسكنت إلى ربها، فلم تعد أسيرة شهوةٍ عارضة، ولا كِبرٍ خفي، ولا هوى متسلط.
ومن صفاتها ما ذكره الله تعالى في قوله: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا﴾ [الفرقان: 63].
يمشون هونًا؛ لأن قلوبهم عرفت الله، فتواضعت.
يمشون هونًا؛ لأنهم يعلمون أن الأرض التي يمشون عليها قد امتلأت بأجساد من سبقوهم.
يمشون هونًا؛ لأن الموت حقيقة، والحياة ابتلاء، والنجاة لمن أحسن العمل.
ونوه أن المؤمن لا يرى نفسه مركز الكون، ولا يترك شهوته تقوده حيث شاءت، بل يسير في الأرض صاحب رسالة: يذكر الله، ويعمر الحياة، ويرحم الخلق، ولا يعتدي على ضعيف، ولا يهلك حرثًا، ولا يظلم نفسًا.
وقد قال سيدنا رسول الله ﷺ: «لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ كِبْرٍ».
فطريق النفس إلى الله يبدأ من كسر الكبر، ومجاهدة الهوى، وحبس النفس عن الشهوات المحرمة، حتى تصير نفسًا مطمئنة، راضيةً بربها، سائرةً إلى الله على نورٍ وبصيرة.
ليست الحرية أن تفعل النفس كل ما تشتهي، ولكن الحرية الحقيقية أن تتحرر من سلطان الهوى، وأن تكون عبدًا لله وحده.


