الحياة نهر لا يتوقف عن الجريان، لكن الغريب في أمرنا نحن البشر أننا نمتلك قدرة عجيبة على اختلاق السدود الوهمية، نتوقف عندها طواعية، ثم نبكي لأن الماء لم يعد يتحرك من حولنا.
تأملت طويلاً في هذه الظاهرة الإنسانية المحيرة لماذا يتوقف الإنسان عند محطة من المحطات، فيرفض أن يغادرها؟ يظل واقفاً على رصيف الذكرى، يتأمل قطار العمر وهو يمضي أمامه، ويصر على أن محطته هذه هي أجمل المحطات، وأن ما بعدها صحراء قاحلة، أو فراغ مخيف، أو ربما لا شيء يستحق العناء.
إنها خدعة العقل حين يخدع صاحبه. العقل الذي يخاف المجهول فيقنعك بأن المعلوم هو الأجمل، والأكثر أماناً، والأكثر دفئاً. فتظل قابضاً على جمرة الذكرى، تحسبها شمساً تدفئك، وهي في الحقيقة تحرق راحة يدك وأنت لا تشعر، أو تتظاهر بأنك لا تشعر.
انظر إلى الطفل الصغير، كيف يلهو بلعبته، فإذا مررت من أمامه بلعبة جديدة أكثر بهجة، ألقى ما في يده فوراً ومد يديه للجديد. الطفل لم يتعلم بعد كيف يكون وفياً للأشياء، ولم يدربه المجتمع على عبادة الذكريات. الطفل يريد أن يعيش اللحظة بكل ما فيها من اكتشاف ودهشة. ثم نكبر، ونخسر هذه القدرة تدريجياً، حتى نصبح أسرى لما مضى، نخشى مما سيأتي.
هناك من يتوقف عند "علاقة رائعة" كان طرفاً فيها، فيقضي العمر كله مخلصاً لشبح إنسان غادر الحياة أو غادرته الظروف. يعيش على ذكريات لقاءات معدودة، وكلمات قيلت في لحظة صدق عابرة، ويظن أن الكون كله قد تجسد في هذا الإنسان، وأنه لا يوجد في مستقبل الأيام قلب آخر يستحق الاكتشاف، أو روح أخرى تستطيع أن تفهمه وتحتويه.
وهناك من يتوقف عند "نص عظيم" قرأه في شبابه، كتاباً هز كيانه، رواية غيرت نظرته للحياة، فيظل أسير هذه الكلمات، يعيد قراءتها مرات ومرات، ويرفض أن يفتح أي كتاب جديد، لأن شيئاً لن يضاهي تجربته الأولى. يا للغرابة! كأنما يخشى أن يخون كلماته المقدسة، وهو لا يدري أن الخيانة الحقيقية هي خيانة الحياة نفسها، خيانة هذا التدفق الإلهي الذي جعلنا بشراً نتعلم ونكتشف إلى آخر رمق في العمر.
وهناك من يتوقف عند "فكرة" تشبع بها في مرحلة ما، عقيدة فكرية أو سياسية أو فلسفية، فيتحول مع الوقت إلى تمثال متحجر في متحف الأفكار، يكرر ما قاله منذ ثلاثين عاماً، ويرفض أن يراجع أو ينقد أو يهدم ويبني من جديد. لأن الاعتراف بالخطأ أصعب من الاستمرار فيه، ولأن كبرياءه يمنعه من أن يقول لنفسه ربما كنت مخطئاً، وربما هناك ما هو أجدر بأن أفهمه.
الأدهى من كل هذا، أن المتوقف عن النمو لا يكتفي بموت روحه هو، لكنه يتحول أحياناً إلى قوة جاذبة تحاول إيقاف الآخرين أيضاً. تجده يسخر من حماسة الشاب الذي يكتشف الحياة لأول مرة، ويصفه بالسذاجة وقلة الخبرة. ويتهكم على أحلام الكبار الذين بدأوا مشاريع جديدة في سن متقدمة. كأنما يريد أن يقنع الجميع بأن التوقف قدر محتوم، لئلا يشعر بالوحدة في محطته المهجورة.
لكن الحقيقة التي نتهرب منها هي أن الحياة لا تتوقف عن الإدهاش. هذه هي المعجزة المستمرة. كل صباح يحمل جديداً، كل غروب يحمل سراً، كل إنسان تقابله يحمل عالماً كاملاً يستحق الاكتشاف. الطبيعة نفسها تعطينا الدرس كل يوم الشجرة لا تتوقف عن إنتاج أوراق جديدة في كل ربيع، النهر لا يتوقف عن الجريان، الشمس لا تمل من الشروق، الطفل لا يكف عن طرح الأسئلة.
مأساتنا أننا نربط النمو بالعمر، نظن أن التغير خاص بالصغار، وأن الكبار قد اكتملوا وصاروا منتجاً نهائياً. وهذا فهم معكوس تماماً للحياة. النمو ليس مرحلة، بل هو جوهر الوجود. الكون كله في حالة صيرورة دائمة، والوحيد الذي يتوقف هو الإنسان الذي اختار بملء إرادته أن يكون حجراً في عالم من المياه الجارية.
في لحظة ما، يقرر الواحد منا أن يقفل الأبواب والنوافذ، وأن يقول "كفى. هذا يكفي. لقد عرفت كل ما أحتاج إلى معرفته. أحببت من يستحق الحب. قرأت ما يستحق القراءة. فهمت ما يستحق الفهم". وفي هذه اللحظة بالذات يموت، حتى لو استمر قلبه ينبض سبعين عاماً أخرى.
التوقف عن النمو ليس وفاء ولا إخلاص ولا عمقاً، كما قد توهمنا أنفسنا الماكرة. إنه خوف من المجهول، وكسل عن مواصلة البحث، وتعب من مشقة الاكتشاف. النمو الحقيقي مؤلم أحياناً، يهدم قناعات، يفرض أسئلة صعبة، يعري الروح من أوهامها، وليس كل الناس قادراً على تحمل ألم الولادة المتجددة.
الحياة كالمرآة، تدهشك كلما تأملتها بعيون جديدة. والمأساة أن البعض ينظر إليها بعيون قديمة بالية، ثم يتهمها بأنها فقدت سحرها. كمن يقف على شاطئ البحر المتلاطم، فلا يرى إلا الماء والملل، بينما البحر يحمل في كل موجة ألف سر وألف حكاية وألف دعوة للاكتشاف.
لا تتوقف عن النمو ما دمت حياً... لأن التوقف عن النمو هو الصورة المرادفة للموت، ولأن الحياة لم تصمم لتكون ركوداً في بركة آسنة، إنما لتكون تدفقاً كالنهر، لا يتوقف حتى يصل إلى مصبه في بحر الوجود اللامتناهي، هناك حيث لا عودة ولا توقف ولا نهاية.
عبد السلام فاروق يكتب: متحف الأفكار