في خطوة جديدة تستهدف تعزيز الحماية الرقمية للأطفال، أعلنت الحكومة قرب طرح “شريحة باقة الطفل” قبل 30 يونيو 2026، باعتبارها واحدة من الأدوات الحديثة التي تستهدف توفير بيئة إلكترونية أكثر أمانًا للأطفال، في ظل تزايد المخاوف المرتبطة بالاستخدام المفرط للهواتف المحمولة والإنترنت بين صغار السن.
ويأتي المشروع في وقت تتزايد فيه التحذيرات من التأثيرات السلبية للإفراط في استخدام الأجهزة الذكية، سواء على الصحة النفسية والسلوكية للأطفال أو على مستوى التركيز والتحصيل الدراسي، فضلًا عن المخاطر المرتبطة بالوصول إلى محتوى غير مناسب عبر الإنترنت.
وتسعى الحكومة من خلال هذه الخطوة إلى تقديم حلول تقنية تساعد الأسر على مراقبة استخدام الأطفال للإنترنت بطريقة أكثر سهولة وفعالية، بما يحقق التوازن بين الاستفادة من التكنولوجيا وحماية الأطفال من مخاطر العالم الرقمي.

الحكومة تستعد لإطلاق شريحة مخصصة للأطفال
ومع الإعلان عن قرب إطلاق «شريحة باقة الطفل»، بدأت العديد من الأسر المصرية في البحث عن تفاصيل هذه الخدمة الجديدة، خاصة أولياء الأمور الذين يعانون من تعلق أبنائهم المفرط بالهواتف المحمولة والألعاب الإلكترونية.
ومن جانبه، قال الدكتور وليد حجاج خبير أمن المعلومات ومستشار الهيئة الاستشارية العليا للأمن السيبراني وتكنولوجيا المعلومات، «شريحة باقة الطفل» بأنها تمثل ثورة تقنية جديدة في عالم الرقابة الأبوية الرقمية.
وأوضح في تصريحات صحفية له، أن الشريحة لا تعد مجرد وسيلة اتصال تقليدية، بل تعمل كـ«فلتر ذكي» على مستوى الشبكة نفسها لتنظيم حياة الطفل الرقمية، في ظل تزايد التحديات المرتبطة باستخدام الأطفال للإنترنت.
وأضاف أن الفكرة الأساسية تعتمد على توفير بيئة تصفح آمنة للأطفال من خلال تدخل شركة الاتصالات نفسها في تنظيم حركة البيانات قبل وصولها إلى جهاز الطفل، وهو ما يرفع من مستوى الحماية مقارنة ببعض التطبيقات التقليدية للرقابة الأبوية.
كيف تعمل الشريحة تقنيًا؟
وأشار وليد حجاج إلى أن الشريحة تعتمد على ما يعرف بالبروفايل التقني الخاص بالأطفال أو Child Profile، والذي يتم تفعيله من قبل شركة الاتصالات على مستوى نقطة الوصول APN.
وأوضح أن حركة البيانات الصادرة والواردة من الشريحة يتم توجيهها عبر خوادم مخصصة تخضع لقواعد رقابية صارمة، بحيث تبدأ عملية تصفية المحتوى من مزود الخدمة نفسه قبل وصوله إلى الهاتف أو الجهاز اللوحي المستخدم من الطفل.
وأكد أن هذه التقنية تمنح شركات الاتصالات قدرة أكبر على التحكم في المحتوى الإلكتروني الذي يصل للأطفال، بما يضمن الحد من الوصول إلى المواقع أو التطبيقات التي تتضمن محتوى ضارًا أو غير مناسب.
تقنيات ذكية لحجب المحتوى غير الملائم
وأوضح خبير أمن المعلومات أن «شريحة الطفل» تعتمد على مجموعة من التقنيات الحديثة في تصفية المحتوى، من بينها تقنية تصفية نظام أسماء النطاقات DNS Filtering، والتي تقوم بحجب المواقع الضارة أو الإباحية بشكل تلقائي.
كما تعتمد الشريحة على تقنيات الذكاء الاصطناعي لتحليل الروابط والكلمات المفتاحية بصورة فورية، بهدف منع الوصول إلى المنصات التي قد تروج للعنف أو السلوكيات غير المناسبة أو المحتويات غير الملائمة للأطفال.
وأضاف أن بعض النسخ المتقدمة من هذه الشرائح تعتمد أيضًا على نظام «القوائم البيضاء» أو Whitelisting، حيث لا تسمح للطفل بالدخول إلا إلى مجموعة محددة من المواقع التعليمية والترفيهية التي تم اعتمادها مسبقًا باعتبارها آمنة.
ما هي «شريحة باقة الطفل»؟
وبحسب ما تم الإعلان عنه، تستهدف «شريحة باقة الطفل» تنظيم استخدام الأطفال للإنترنت سواء داخل المنزل أو المدرسة، عبر توفير باقات إنترنت مخصصة للأطفال تعتمد على بيئة رقمية آمنة تمنع الوصول إلى المحتوى غير الملائم للفئات العمرية الصغيرة.
كما تتيح الخدمة أدوات للرقابة الأبوية تساعد أولياء الأمور على متابعة استخدام أبنائهم للإنترنت والتحكم في طبيعة المحتوى الذي يمكن الوصول إليه، بالإضافة إلى إمكانية إدارة أوقات الاستخدام بصورة أكثر مرونة.
وقال محمد إبراهيم نائب رئيس الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات، في تصريحات تلفزيونية، إن الشريحة سيتم تسجيلها باسم الأب أو الأم، مع إمكانية تحويلها إلى شريحة مخصصة للأطفال من خلال إدخال كود معين، بحيث تعمل وفق نظام حماية إلكتروني يمنع الوصول إلى المواقع أو الألعاب غير المناسبة للأطفال.
وأوضح أن الهدف من الخدمة ليس فقط تقييد الاستخدام، وإنما توفير تجربة رقمية أكثر أمانًا تساعد الأطفال على الاستفادة من الإنترنت في التعليم والترفيه دون التعرض للمحتويات الضارة.
«شريحة الطفل».. ثورة جديدة في الرقابة الأبوية الرقمية
ومن جانبها، قالت فاطمة محمد، وهي أم لـ 4 أطفال أعمارهم بين 5 سنوات و 10 سنوات، إنها تعاني بشكل يومي من صعوبة السيطرة على استخدام أطفالها للهاتف المحمول، موضحة أن تعلقهما الشديد بالشاشات يثير قلقها بشأن نموهما الذهني وقدرتهما على التركيز والتحصيل الدراسي.
وأضافت في تصريحات لـ “صدى البلد”، أنها بمجرد سماعها عن قرب إطلاق «شريحة الطفل» قررت شراءها فور طرحها إذا ساعدت بالفعل في توفير حماية رقمية أكبر للأطفال.
حماية رقمية أم تقييد للحرية؟
من جانبها، قالت أستاذة علم الاجتماع، الدكتورة جيهان حسين، أن نجاح «شريحة الطفل» سيعتمد بشكل كبير على التوازن بين الحماية الرقمية وحرية الاستخدام، خاصة مع تنامي اعتماد الأطفال على الإنترنت في التعليم والتواصل والترفيه.
وأضافت في تصريحات لـ “صدى البلد”، أن الرقابة التقنية وحدها لا تكفي، بل يجب أن يصاحبها دور تربوي وتوعوي من الأسرة، يقوم على بناء وعي لدى الطفل بمخاطر الإنترنت وكيفية الاستخدام الآمن للتكنولوجيا.
كما أشارت إلى أن نجاح التجربة يتطلب تطوير المحتوى الرقمي الآمن الموجه للأطفال باللغة العربية، إلى جانب تعزيز الثقافة الرقمية داخل المدارس والمنازل.
توسع عالمي في أدوات حماية الأطفال رقميًا
وتأتي هذه الخطوة بالتزامن مع اتجاه عالمي متزايد نحو تطوير أدوات وتقنيات لحماية الأطفال على الإنترنت، في ظل تصاعد المخاوف المرتبطة بالإدمان الرقمي والتنمر الإلكتروني والوصول المبكر إلى المحتويات غير المناسبة.
وخلال السنوات الأخيرة، اتجهت العديد من شركات التكنولوجيا والاتصالات العالمية إلى تطوير تطبيقات وخدمات للرقابة الأبوية تعتمد على الذكاء الاصطناعي وتحليل السلوك الرقمي للأطفال، بما يسمح بمراقبة أكثر دقة للنشاط الإلكتروني.
وقد يمثل إطلاق «شريحة باقة الطفل» بداية مرحلة جديدة من تنظيم استخدام الأطفال للإنترنت، خاصة إذا تم تطوير الخدمة بصورة مستمرة وتوسيع مزاياها التقنية خلال الفترة المقبلة، بما يحقق معادلة الأمان الرقمي دون التأثير على استفادة الأطفال من التكنولوجيا الحديثة.






