بين جبال الجنوب الممتدة ووديان الصحراء المفتوحة، ما زالت بعض العادات تقاوم الزمن وتحافظ على حضورها في حياة أبناء القبائل البدوية.
ومن بين تلك الموروثات تبرز "السلات"، إحدى أشهر الوجبات التقليدية التي ارتبطت بأهالي حلايب وشلاتين والقرى المنتشرة في أقصى جنوب البحر الأحمر، حتى أصبحت جزءًا من المشهد اليومي ومظهرًا من مظاهر الاحتفال في الأعياد والمناسبات الاجتماعية.

طعام ولد من طبيعة الصحراء
لم تظهر السلات بوصفها وصفة للطهي فحسب، بل جاءت انعكاسًا لظروف الحياة في البيئات الصحراوية التي اعتمد سكانها على الأغنام والماعز كمصدر رئيسي للغذاء. ومع محدودية أدوات الطهي قديمًا، ابتكر البدو أسلوبًا يعتمد على الأحجار الساخنة والنيران المكشوفة لإعداد اللحوم، ليخرج طبق يحمل مذاقًا مختلفًا ويحافظ في الوقت نفسه على بساطة المكونات.
وتعتمد الوجبة أساسًا على لحوم الضأن أو الماعز بعد تقطيعها إلى أجزاء صغيرة وخالية من العظام، ثم تُطهى فوق أحجار يتم تسخينها لدرجات حرارة مرتفعة وسط الحطب والفحم المشتعل، وهي طريقة تمنح اللحم نضجًا متوازنًا ونكهة خاصة تميزها عن طرق الشواء التقليدية.
سر التسمية
يربط أبناء المنطقة اسم "السلات" بالطريقة التي تتخلص بها قطع اللحم من الدهون أثناء الطهي، حيث تنساب الدهون على سطح الأحجار الساخنة بعيدًا عن اللحم، ما يمنحه قوامًا أخف ومذاقًا مختلفًا.
ويرى كثير من أبناء القبائل أن هذه الخاصية جعلت الوجبة تحافظ على شعبيتها لعقود طويلة.

وجبة الصباح الأولى
في الوقت الذي تبدأ فيه معظم الأسر المصرية يومها بالفول أو المخبوزات، يفضل كثير من أبناء القبائل البدوية في الجنوب تناول السلات في ساعات الصباح المبكرة.
ويرجع ذلك إلى طبيعة الحياة المرتبطة بالرعي والتنقل والعمل في المناطق الصحراوية، حيث توفر الوجبة كمية كبيرة من البروتين والطاقة تساعد على تحمل ساعات العمل الطويلة.
وتُقدَّم السلات غالبًا مع الخبز البلدي المصنوع محليًا، في مشهد اعتادته التجمعات البدوية منذ أجيال، ليصبح الطعام جزءًا من الطقوس الاجتماعية التي تجمع أفراد الأسرة والضيوف حول موقد النار.
حضور خاص في الأعياد والمناسبات
خلال عيد الأضحى تزداد مكانة السلات داخل المجتمعات البدوية، إذ تتحول عملية إعدادها إلى مناسبة اجتماعية يشارك فيها أفراد العائلة والجيران. فبعد ذبح الأضاحي تُجهز اللحوم بالطريقة التقليدية نفسها، وتُقدَّم للضيوف باعتبارها رمزًا للكرم والترحيب.
ولا تقتصر أهمية الوجبة على قيمتها الغذائية فقط، بل تمثل جزءًا من الهوية الثقافية لسكان الجنوب، الذين يرون فيها امتدادًا لعادات الأجداد ورسالة غير مكتوبة تؤكد ارتباط الإنسان بأرضه وتراثه.
من غذاء يومي إلى عنصر جذب سياحي
في السنوات الأخيرة بدأ زوار المنطقة والمهتمون بالسياحة البيئية والثقافية يبدون اهتمامًا متزايدًا بتجربة السلات، باعتبارها واحدة من الأكلات التي تعكس خصوصية الحياة البدوية في مصر.
ويؤكد العاملون في قطاع السياحة المحلية أن الزائر لم يعد يبحث فقط عن المناظر الطبيعية، بل أصبح مهتمًا أيضًا باكتشاف الموروث الشعبي والعادات المرتبطة بالمكان.
ورغم هذا الاهتمام المتنامي، ما تزال السلات محتفظة بطابعها البسيط بعيدًا عن التغييرات الحديثة، لتبقى شاهدًا حيًا على قدرة المجتمعات البدوية على الحفاظ على تراثها الغذائي في مواجهة تغيرات الزمن.
وفي أقصى الجنوب، حيث تمتزج رائحة الحطب بصوت الرياح القادمة من الجبال، تظل السلات أكثر من مجرد وجبة؛ إنها حكاية مجتمع كامل اختزن ذاكرته في طبق من اللحم المشوي على الأحجار الساخنة، ونجح في نقلها من جيل إلى آخر دون أن تفقد روحها الأصلية.