قناة صدى البلد البلد سبورت صدى البلد جامعات صدى البلد عقارات Sada Elbalad english
عاجل
english EN
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل

منال الشرقاوي تكتب: من يحكم على الفيلم... الجمهور أم النقاد؟

منال الشرقاوي
منال الشرقاوي

بعد انتهاء الندوة، اقترب مني شاب وسألني سؤالًا بدا بسيطًا، لكنه كان أعمق من كل ما قلناه على المنصة.

قال لي: «لماذا يكره النقاد الأفلام التي يحبها الجمهور؟»

توقفت لحظة قبل أن أجيبه. لم يكن السؤال عابرًا، ولم يكن مجرد اعتراض من متفرج خرج من القاعة محملًا بانحيازه لفيلم أعجبه. كان السؤال في الحقيقة يفتح بابًا واسعًا على أزمة قديمة تتجدد كلما امتلأت قاعات السينما بفيلم يهاجمه النقاد، أو احتفى النقاد بفيلم لا يجد طريقه إلى الجمهور.

قلت له:

«ربما لا يكره النقاد ما يحبه الجمهور، وربما لا يرفض الجمهور ما يكتبه النقاد… لكن المشكلة أن كل طرف يدخل الفيلم من باب مختلف».

ابتسم الشاب، كأنه لم يقتنع تمامًا، ثم قال: «لكننا نخرج من الفيلم سعداء، ثم نقرأ في اليوم التالي أنه ضعيف ومباشر ومليء بالعيوب. أليس من حقنا أن نحب ما يشبهنا؟»

كان سؤاله الثاني أكثر إرباكًا من الأول.

نعم، من حق الجمهور أن يحب ما يشبهه. ومن حق الناقد أيضًا أن يرى ما وراء المشاهدة العابرة؛ أن يسأل عن البناء، والمعنى، والصورة، والشخصيات، وعن تلك المسافة الدقيقة بين فيلم يلامسنا لأنه يفهمنا، وفيلم يكتفي بأن يمنحنا انفعالًا عابرًا لا يبقى طويلًا بعد مغادرة القاعة.

هنا تحديدًا تبدأ الحكاية.

فالعلاقة بين الجمهور والنقاد ليست معركة بين من «يفهم» ومن «لا يفهم»، ولا بين ذوق رفيع وذوق شعبي، كما يحب البعض أن يصورها. إنها علاقة ملتبسة بين متفرج يبحث عن نفسه على الشاشة، وناقد يبحث عن السينما داخل الفيلم.

ولعل أول ما ينبغي الاعتراف به أن الجمهور ليس كتلة واحدة، كما أن النقاد ليسوا صفًا واحدًا. هناك جمهور يبحث عن الضحك، وجمهور يبحث عن سحر الصورة السينمائية، وجمهور يريد أن يرى حكايته على الشاشة، وآخر لا يدخل القاعة إلا إذا وعده الفيلم بعالم مختلف عن واقعه. وفي المقابل، هناك ناقد يكتب بعين أكاديمية صارمة، وآخر يكتب بروح المتفرج الذي لم يفقد شغفه الأول بالسينما.

المشكلة تبدأ حين يتعامل كل طرف مع الآخر باعتباره خصمًا.

الجمهور أحيانًا يرى في النقد نوعًا من التعالي، وكأن الناقد جاء ليصادر فرحته أو يسخر من ذوقه. والناقد أحيانًا يرى في النجاح الجماهيري استسلامًا لمعادلة سهلة، رموزها نجم محبوب، إيقاع سريع، بعض الضحك، قليل من العاطفة، ونهاية ترضي الجميع.

لكن السينما أعقد من ذلك بكثير.

فليس كل فيلم يحبه الجمهور فيلمًا ضعيفًا، وليس كل فيلم يهاجمه النقاد فيلمًا عظيمًا لم يفهمه الناس. هناك أفلام جماهيرية صنعت ذاكرة حقيقية، وظلت حاضرة في وجدان المشاهدين لأنها امتلكت الصدق قبل الصنعة، واقتربت من الناس دون أن تستخف بهم. وهناك أفلام رفعت شعار الفن والعمق، لكنها عجزت عن الوصول إلى أحد لأنها انشغلت بذاتها أكثر مما انشغلت بالحياة.

قلت للشاب، وأنا أحاول أن أختصر له ما لا يُختصر بسهولة: «الجمهور يمنح الفيلم حياته الأولى، والنقد يقرأ أثره ويوثق حضوره في الذاكرة».

الجمهور هو الاختبار الأول لأي فيلم. هو الذي يشتري التذكرة، ويمنح القاعة دفئها، وينقل تجربته إلى غيره. هو الذي يقول لصديقه: “لا تفوت هذا الفيلم”، أو يخرج صامتًا أو غاضبًا فلا يعود أحد وراءه.

لكن حكم الجمهور، في كثير من الأحيان، يكون حكمًا عاطفيًا مباشرًا، مرتبطًا بلحظة المشاهدة، بذلك الإحساس الغامض الذي يجعلنا نحب فيلمًا رغم أننا نعرف عيوبه.

وتأتي هنا مهمة الناقد؛ أن يلتقط هذا الإحساس ويفتحه على أسئلته الأعمق، فيتأمل بناء الشخصيات، وتماسك الإيقاع الدرامي، وتطور الصراع، وما تقوله الصورة بعيدًا عن الحوار، وقدرة الفيلم على صنع أثر جمالي وفكري يبقى بعد انتهاء العرض.

الناقد لا ينبغي أن يكون شرطيًا على باب المتعة، ولا قاضيًا يصدر حكمًا نهائيًا على ذوق الناس. لكنه أيضًا ليس مطالبًا بأن يصفق فقط لأن القاعة امتلأت، أو الإيرادات ارتفعت، أو لأن الجمهور خرج مبتسمًا.

هنا تبدو السينما مثل مرآة لها أكثر من وجه. يرى الجمهور فيها صورته، وينحاز إلى الأثر الذي يتركه الفيلم في وجدانه، ويتلقى التجربة بما تحمله من متعة أو انفعال أو انبهار. أما الناقد، فيتأمل طريقة صناعة هذه الصورة، ويتتبع المسارات الجمالية والدرامية التي صنعت ذلك الأثر، ويقرأ بنية التجربة لا انطباعها الأول فقط. ولا تعارض بين الدورين، إلا حين يتحول الاختلاف إلى إلغاء.

قبل أن ينصرف الشاب، قلت له: «أحبوا الأفلام كما تشاؤون، فهذا حق لا يملكه أحد سواكم. لكن اتركوا للنقد حقه في أن يسأل، فالفيلم الذي يضيق بالسؤال، غالبًا لا يحتمل البقاء».

ابتسم هذه المرة ابتسامة أهدأ، وقال: «يعني ممكن نحب الفيلم وأنتم تنتقدوه؟»

قلت له:«طبعًا. النقد قراءة ثانية للفيلم؛ تضيء ما أنجزه، وتكشف ما كان يمكن أن يبلغه لو اكتملت أدواته».

غادر الشاب، وبقي السؤال معي.

في النهاية، يظل النقد جزءًا من رحلة الفيلم بعد عرضه؛ يفتح له قراءة أعمق، ويمنحه مكانًا أوضح داخل الذاكرة السينمائية. فكل فيلم يجد قراءة نقدية جادة، يملك فرصة أطول للبقاء.