يظل عصير القصب هو الراعي الرسمي للانتعاش في الشارع المصري خلال أيام الصيف والحر الشديد، حيث يلجأ إليه الملايين لإطفاء حر الصيف، لكن في الآونة الأخيرة، تحول هذا المشروب الطبيعي إلى إثارة الجدل، بعدما كشفت تقارير ورقابة صحية عن لجوء بعض المحال إلى حيلة ذكية ولكنها خطيرة، تتلخص في استخدام بودرة بيضاء سحرية تمنح العصير لوناً فاتحاً وجذاباً لا يغمق بمرور الوقت "الأكسدة"، هذه البودرة مركب "ثاني أكسيد التيتانيوم".
السر وراء اللون الفاتح.. خدعة "البودرة البيضاء"
ضبطت الأجهزة التنفيذية بمركز ومدينة طوخ فى محافظة القليوبية، بالتنسيق مع جهاز حماية المستهلك وجهاز سلامة الغذاء ومديرية التموين، خلال حملة رقابية مكبرة على الأسواق والمنشآت الغذائية، مادة تُستخدم فى غش عصير القصب، واتخاذ الإجراءات القانونية حيال المخالفين.

ولجأ بعض أصحاب النفوس الضعيفة في محلات العصير إلى إضافة مركب ثاني أكسيد التيتانيوم (TiO_2)، وهي عبارة عن صبغة بيضاء شديدة الفعالية، فمن الطبيعي أن يتغير لون عصير القصب الطازج ويميل إلى السمرة أو الاخضرار القاتم بعد عصره بدقائق نتيجة لعملية الأكسدة الطبيعية، ولأن المستهلك يفضل دائماً العصير ذا اللون الأخضر الفاتح أو الأصفر المبهج.

وتُستخدم هذه المادة في الأصل كمبيض، وعند إضافتها بكميات تفوق الحد المسموح به، تحافظ على لون العصير فاتحاً براقاً وتمنع اسوداده، مما يوهم الزبون بأن العصير طازج بنسبة 100%.
ما هو ثاني أكسيد التيتانيوم؟
ثاني أكسيد التيتانيوم (E171) هو مركب كيميائي على هيئة مسحوق أبيض ناصع، غير عضوي، يُعرف في عالم الصناعة باسم "اللون الأبيض الرقم 6 (E171)"، ويتميز بقدرته الفائقة على عكس الضوء ومنح المنتجات لوناً أبيض ناصعاً.

تم حظر استخدامه كمضاف غذائي في الاتحاد الأوروبي والعديد من الدول العربية، تستخدمه بعض معاصر العصائر والمطاعم بشكل غير قانوني لغش عصير القصب ومنحه لوناً أبيض فاتحاً وجذاباً ولإخفاء علامات التغير في لونه الأصلي نتيجة الأكسدة.

يدخل هذا المركب في صناعات عديدة ومشروعة تماماً، مثل دهانات الحوائط، البلاستيك، مستحضرات التجميل، وكريمات الوقاية من الشمس، كما كان يُستخدم لسنوات طويلة كمضاف غذائي في بعض الحلوى، العلكة، والمخبوزات، لكن الأزمة تكمن في طريقة ونسب استخدامه، وخاصة عندما يتحول إلى مادة تضاف عشوائياً في الأغذية والمشروبات الطازجة.
من الأمان إلى الحظر.. تحذير من تغير الجينات
لسنوات طويلة، ساد الاعتقاد بأن جزيئات ثاني أكسيد التيتانيوم آمنة لأن الجسم لا يمتصها وتخرج منه دون تغيير. لكن مع تطور التكنولوجيا الطبية وظهور "علم النانو"، تبين أن هذه المادة تحتوي على جزيئات متناهية الصغر (جزيئات نانوية) تستطيع اختراق الجدران الخلوية بسهولة.
_807_074553.jpg)
في عام 2021، أصدرت الهيئة الأوروبية لسلامة الأغذية (EFSA) تقريراً حاسماً أعلنت فيه أن ثاني أكسيد التيتانيوم لم يعد يُعتبر آمناً كمضاف غذائي، وجاء هذا القرار بناءً على مخاوف جديّة تتعلق بالسمية الجينية (قدرة المادة على إتلاف الحمض النووي DNA داخل الخلايا)، مما قد يمهد الطريق للإصابة بالأورام السرطانية على المدى الطويل. وبناءً على ذلك، حظرت دول الاتحاد الأوروبي وعدد من الدول العربية استخدامه في الأغذية تماماً.
مخاطر صحية في "كوب عصير"
يشكل تناول عصير القصب المغشوش بهذه البودرة بكميات كبيرة وبشكل متكرر، خطورة كبيرة على الصحة العامة، وتتمثل أبرز المخاطر في:

ـ السمية الجينية وتلف الخلايا: تراكم الجزيئات النانوية داخل الجسم قد يتسبب في إتلاف المادة الوراثية للخلايا، مما يزيد من احتمالية حدوث طفرات سرطانية، خاصة في الجهاز الهضمي والقولون.
ـ الالتهابات المزمنة: تؤدي هذه الجزيئات إلى إحداث ما يُعرف بالإجهاد التأكسدي داخل الأمعاء، مما يتسبب في التهابات ميكروسكوبية مستمرة تضعف المناعة.

ـ التأثير على الكبد والكلى: مع الاستهلاك المفرط والعشوائي (دون رقابة على النسب من قِبل البائعين)، يزداد العبء على الكبد والكلى لمحاولة طرد هذه المواد غير القابلة للذوبان.
كيف تحمي نفسك وتكتشف العصير المغشوش؟
الوعي هو خط الدفاع الأول لحماية صحتك وصحة أسرتك. ولكي تضمن تناول كوب عصير قصب آمن وطبيعي، اتبع الآتي:
_807_074641.jpg)
راقب اللون: عصير القصب الطبيعي يتغير لونه بسرعة ويميل للاخضرار الداكن أو البني؛ فإذا لاحظت أن العصير يحتفظ بلونه الأصفر الفاتح البراق لفترة طويلة دون أي تغيير، فهذا مؤشر قوي على وجود مضافات كيميائية.

الشراء من أماكن موثوقة: احرص على الشراء من محال تتمتع بنظافة عالية وتعتمد على عصر القصب مباشرة أمام عينيك.
تناوله فوراً: اشرب العصير في الحال ولا تتركه مخزناً، فالعصير الطبيعي لا يحتمل التخزين خارج المبرد دون أن تتغير خواصه.







