﴿فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾
كلما تأملت رحلة الإنسان مع المعرفة ازددت يقيناً أن الخطر لم يسكن الجهل يوماً كما سكن المعرفة حين تُجرَّد من التواضع.
الجاهل يقف على عتبة السؤال مترقباً باباً يُفتح أمامه، أما الذي امتلأ قلبه بوهم الإحاطة فقد أغلق الأبواب جميعها من الداخل، وأقنع نفسه أن الطريق قد انتهى، وأن الحقيقة استقرت بين يديه، وأن ما تبقى ليس سوى تفاصيل صغيرة لم يحن وقت جمعها بعد.
عند تلك اللحظة يبدأ العقل في خسارة أعظم خصائصه، لأن العقل لا يعيش بما يعرف، وإنما بما يظل مستعداً لاكتشافه، وكل يقين يتضخم حتى يرى نفسه مكتفياً يتحول بصمت إلى سجن لا يشعر صاحبه بجدرانه.
عصرنا لا يعاني من فقر المعرفة، ولا من ندرة المعلومات، ولا من قلة الأدوات، يعيش على النقيض تماماً، يعيش تحت طوفان لا ينقطع من البيانات، حتى أصبحت المعلومة أرخص مما كانت عليه في أي زمن مضى، وأصبح الوصول إليها يحتاج إلى لمسة إصبع، بينما الوصول إلى معناها يحتاج إلى عمر كامل. آلاف الصور تمر أمام أعيننا كل ساعة، ملايين الكلمات تعبر الشاشات، مراكز بيانات تمتد تحت البحار، وأقمار صناعية تراقب الأرض، ونماذج ذكية تحفظ من النصوص ما تعجز عنه مكتبات بأكملها، حتى كاد الإنسان يصدق أن الحقيقة يمكن ضغطها داخل خادم إلكتروني، وأن الحكمة ليست سوى قدرة أكبر على التخزين، مع أن الذاكرة لم تكن يوماً مرادفاً للبصيرة، ولم يكن تراكم المعلومات دليلاً على نضج العقل.
تلك اللحظة أعادت إلى ذهني سؤالاً ظل يطارد الفكر الإنساني منذ بدأ الإنسان يرفع عينيه إلى السماء، هل تكفي المعرفة وحدها كي تهدي صاحبها؟
ولو كانت كذلك، لما كان أول من عصى ربه مخلوقاً عرف من أسرار الكون ما لم يعرفه بشر، ولما وقف إبليس أمام آدم وهو يرى مشهد الخلق كاملاً ثم يخرج بنتيجة قادته إلى السقوط. لم يكن يفتقد معلومة، ولم يغب عنه مشهد، ولم يختلط عليه الطين بالنار، جمع ما رآه بعقله، ثم أقام ميزاناً ظنه عادلاً، وحكم حكماً ظن أنه لا يقبل النقض، لأنه رأى المادة ولم يدرك السر، وأحصى عناصر الخلق ولم يبلغ حكمة الخالق، وكانت تلك المسافة الصغيرة بين الرؤية والبصيرة كافية ليبدأ تاريخ طويل من الغرور، تاريخ يثبت أن الخطأ لا يولد دائماً من نقص المعرفة، وقد يولد من الثقة المطلقة فيما نعرف.
أحسب أن أخطر ما يمكن أن تفعله البيانات بالعقل أنها تمنحه شعوراً خفياً بالسيطرة، وكلما ازدادت قدرة الإنسان على تفسير الظواهر، تسلل إليه إحساس بأنه اقترب من امتلاك العالم، مع أن العالم لا يمنح نفسه لأحد. كل اكتشاف عظيم كشف في الوقت نفسه عن مساحة أكبر من المجهول، وكل مجرة اكتشفناها أشارت إلى مجرات لا تزال مختبئة، وكل خلية فُهمت تركت خلفها أسئلة أكثر تعقيداً، وكل خريطة رُسمت للدماغ كشفت أن أعقد ما فيه ما زال بعيداً عن الإدراك، حتى بدا العلم في صورته الصادقة رحلة يتسع فيها المجهول كلما اتسعت المعرفة، وبدا الغرور محاولة يائسة لإقناع النفس أن الطريق قد انتهى بينما بدايته ما تزال بعيدة.
لهذا أخشى على الإنسان من اليوم الذي يخلط فيه بين امتلاك البيانات وامتلاك الحقيقة، لأن الحقيقة لا تسكن الأرقام وحدها، ولا تستجيب لكل جهاز يقيس، ولا تنكشف لكل عين تنظر.
هناك أشياء تُدرك بالعقل، وأشياء لا يفتح أبوابها إلا القلب إذا صفا، ولهذا ظل القرآن يخاطب أولي الألباب ولم يخاطب أصحاب العقول المجردة وحدها، لأن اللب هو العقل حين يتطهر من الكبر، وحين يتحرر من شهوة الانتصار للنفس، وحين يصبح البحث عن الحق أعز عليه من إثبات أنه كان على حق.
لم يتغير الإنسان كثيراً منذ أول سؤال طرحه على نفسه، تغيرت أدواته وحدها.
الحجر الذي كان يخط به على جدار الكهف أصبح معالجاً إلكترونياً يجري تريليونات العمليات في الثانية، والرحلة التي كانت تستغرق شهوراً بين مدينتين أصبحت لا تحتاج سوى لحظات، والرسالة التي كانت تعبر الصحارى فوق ظهر دابة أصبحت تعبر القارات في طرفة عين، غير أن العقل الذي يحمل هذه الأدوات ما زال هو العقل ذاته، يفرح إذا أصاب، ويغتر إذا كثر صوابه، ويضعف أمام الوهم إذا جاءه في ثوب الحقيقة.
لهذا لا أرى أن التكنولوجيا غيّرت الإنسان بقدر ما كشفت ما كان مختبئاً فيه، وكل اختراع كبير لم يكن سوى مرآة أكبر رأى فيها الإنسان صورته مكبرة، رأى فضوله، وطموحه، وجشعه، ورغبته في السيطرة، ورأى أيضاً خوفه القديم من الاعتراف بأن هناك دائماً ما يفوق قدرته على الفهم.
من يتأمل تاريخ العلم يكتشف أن أعظم العلماء لم يكونوا أصحاب الإجابات النهائية، كانوا أصحاب الأسئلة التي لم تتوقف. إسحاق نيوتن رأى نفسه طفلاً يلتقط بعض الحصى الجميل على شاطئ بحر شاسع من الحقيقة، وكلما ازداد البحر اتساعاً ازداد تواضعه، لأن المعرفة الصادقة لا ترفع صاحبها فوق الناس، وإنما تضعه أمام الكون فيدرك حجمه الحقيقي، وحين يفقد الإنسان هذا الإحساس يبدأ في استبدال البحث بالادعاء، ويستبدل الدهشة بالثقة المطلقة، ثم تتحول المعرفة من نور يهديه إلى مرآة لا يرى عليها سوى صورته.
أحسب أن أخطر تحول أصاب عصرنا أن السؤال لم يعد يحتل المكانة التي كان يحتلها قديماً.
الجميع يبحث عن الإجابة الأسرع، وعن النتيجة الأقصر، وعن الطريق الذي يصل به إلى اليقين في أقل وقت ممكن، حتى أصبحت السرعة فضيلة في ذاتها، مع أن الحقيقة لم تكن يوماً ابنة العجلة.
مثلاً البذرة لا تصبح شجرة لأنها استعجلت النمو، والنهر لا يشق طريقه لأنه اندفع مرة واحدة، والعقل لا ينضج لأنه جمع معلومات أكثر، كل شيء عظيم في هذا الكون نما على مهل، حتى الإنسان نفسه لم يُخلق رجلاً كاملاً، بدأ جنيناً لا يملك من أمره شيئاً، وكأن الخالق سبحانه يعلّمنا منذ اللحظة الأولى أن الاكتمال رحلة، وأن الاستعجال لا يصنع إلا صورة ناقصة للحقيقة.
وسط هذا المشهد ظهر الذكاء الاصطناعي، فظن كثيرون أن العالم دخل عصراً جديداً، وأحسب أن العالم لم يدخل عصراً جديداً بقدر ما دخل امتحاناً جديداً.
والحقيقة لم يأت الذكاء الاصطناعي ليجيب عن سؤال الإنسان، جاء ليطرح عليه سؤالاً أكثر إرباكاً، ماذا يبقى لك إذا أصبحت الآلة قادرة على أن تتذكر أكثر منك، وأن تكتب أسرع منك، وأن تحلل كماً من البيانات لا تستطيع أنت قراءته طوال حياتك، أين يبدأ الإنسان حين تنتهي قدرات الآلة، وأين تنتهي الآلة حين تبدأ أسرار الإنسان.
ذلك هو السؤال الذي يستحق أن نقف أمامه طويلاً، لأن الإجابة عنه لن تحدد مستقبل التقنية وحدها، وإنما ستحدد الطريقة التي سنفهم بها أنفسنا خلال العقود القادمة.
ربما نكتشف أن أعظم ما يميز الإنسان لم يكن سرعة الحساب، ولا قوة الذاكرة، ولا دقة الاستنتاج، وإنما قدرته على الاعتراف بأنه لا يزال يتعلم، وأن كل معرفة يحملها بين يديه ليست نهاية الطريق، وإنما بداية سؤال جديد، وكل سؤال جديد يفتح نافذة أخرى يرى منها اتساع هذا الكون، فيزداد علماً، ويزداد تواضعاً في الوقت نفسه، لأن العلم الذي لا يقود صاحبه إلى التواضع يظل معرفة ناقصة، مهما اتسعت، ومهما أبهرت أصحابها.