اعتادت أن تبدأ يومها بالاطمئنان على المرضى، تتابع حالتهم الصحية، وتخفف عنهم آلامهم بكلمة طيبة قبل الدواء، لم تكن تتخيل أن يأتي يوم تجد نفسها فيه على الجانب الآخر من المشهد، مريضة تتلقى العلاج بعد أن كانت جزءًا من فريق يقدم الرعاية للآخرين.
داخل وحدة الحروق بمستشفى سوهاج العام، ترقد ممرضة شابة في السادسة والعشرين من عمرها، تعمل بالوحدة الصحية بنجع عبدالرسول التابعة لمركز جهينة، بعد تعرضها لإصابات بحروق في الوجه والرقبة واليدين، وبينما يخوض الأطباء معركة علاجها، كانت هناك معركة أخرى أكثر صعوبة تدور في الخفاء، تتعلق بحياة طفلة لم ترَ النور بعد.
من الزي الأبيض إلى سرير العلاج.. ممرضة سوهاج تواجه الحروق وتنتصر لطفلتها قبل نفسها
لم تكن الإصابة مجرد حادث عابر بالنسبة للممرضة الشابة، فالحروق جاءت في وقت حساس من حياتها، وهي تستعد لاستقبال مولودتها الأولى، وبين الألم والخوف والترقب، وجد الفريق الطبي نفسه أمام مسؤولية مضاعفة، ليس فقط لإنقاذ الأم، بل للحفاظ على حياة الجنين أيضًا.
ومع تطورات الحالة، اتُخذ القرار الطبي بإجراء ولادة طارئة، في سباق مع الزمن لإنقاذ الأم وطفلتها، دقائق عصيبة مرت داخل أروقة المستشفى، قبل أن تنتهي بإعلان نجاح العملية وخروج مولودة جديدة إلى الحياة، لتتحول لحظات القلق إلى مشهد امتزجت فيه الدموع بالفرحة.
اليوم، تتلقى الأم العلاج داخل وحدة الحروق، بينما ترقد طفلتها داخل حضانة مستشفى سوهاج العام تحت الملاحظة الطبية والرعاية المستمرة، وبين الأم ورضيعتها، تتنقل نظرات الأطباء وأفراد التمريض الذين يتابعون الحالة باهتمام كبير، بعدما أصبحت قصتهما حديثًا داخل المستشفى.
وتحمل هذه الواقعة وجهًا إنسانيًا مختلفًا داخل القطاع الصحي، إذ تكشف أن أصحاب الرسالة الطبية ليسوا بعيدين عن الألم الذي يواجهه المرضى يوميًا، فالممرضة التي اعتادت الوقوف بجوار المرضى في لحظات ضعفهم، أصبحت اليوم بحاجة إلى من يقف بجوارها حتى تتجاوز محنتها.
ورغم آثار الحروق التي ما زالت تحتاج إلى رحلة علاج وتعافٍ، فإن وجود طفلتها إلى جوارها منح القصة نهاية مختلفة، فبين جدران المستشفى التي شهدت مئات الحالات والقصص، ولدت حكاية جديدة عنوانها الإرادة والنجاة، بطلتها ممرضة واجهت الألم، وتمسكت بالأمل، لتخرج من محنتها ومعها أعظم هدية يمكن أن تتمناها أم؛ طفلة نجت معها من الخطر وبدأت أول فصول حياتها.



