في خطوة تعكس تحولًا جذريًا في إدارة ملف المخلفات، تمضي مصر نحو إنهاء حقبة “مقالب القمامة” التقليدية، لصالح منظومة متكاملة تقوم على إعادة التدوير وتحويل النفايات إلى مصدر اقتصادي واعد، عبر توسع غير مسبوق في البنية التحتية وتشريعات الاستثمار الأخضر.
وتشهد المرحلة الحالية تنفيذ خطة وطنية شاملة تتضمن إنشاء نحو 100 محطة وسيطة، إلى جانب التوسع في مصانع تدوير المخلفات بأنواعها، في إطار قانون تنظيم إدارة المخلفات رقم 202، الذي أعاد صياغة التعامل مع القمامة من عبء خدمي إلى فرصة استثمارية.

من عبء بيئي إلى “ذهب أخضر”
لسنوات طويلة ارتبطت القمامة في الشارع المصري بالأزمات الصحية والبيئية وتراكم المخلفات في الشوارع والمناطق السكنية، إلا أن التوجه الجديد للدولة يهدف إلى تحويل هذه الصورة بالكامل، عبر اعتبار المخلفات “موردًا اقتصاديًا” يمكن توظيفه في الصناعة والطاقة وتوفير المواد الخام.
ويعتمد هذا التحول على إشراك القطاع الخاص بشكل أوسع في عمليات الجمع والنقل والتدوير، بما يخلق سلسلة اقتصادية متكاملة تبدأ من كيس القمامة وتنتهي بمنتج صناعي قابل للتصدير.
100 محطة وسيطة ومصانع جديدة للتدوير
ضمن الخطة التنفيذية، يجري العمل على افتتاح نحو 100 محطة وسيطة لتجميع المخلفات قبل نقلها إلى مصانع التدوير، بما يسهم في تقليل التكدس وتحسين كفاءة النقل والمعالجة.
كما تم التوسع في إنشاء وتشغيل مصانع لإعادة تدوير البلاستيك والورق والمعادن، في عدد من المناطق الصناعية، أبرزها العاشر من رمضان وشرق بورسعيد، حيث بدأت بالفعل نماذج إنتاجية تعتمد على تحويل المخلفات البلاستيكية إلى حبيبات تدخل في صناعة المنسوجات والسجاد والملابس البوليستر.
كما ظهرت تجارب صناعية لإنتاج الوقود البديل المستخدم في مصانع الأسمنت بدلًا من الفحم والمازوت، في خطوة تقلل الانبعاثات وتخفض التكلفة التشغيلية للصناعة.
مسار واضح أمام الشركات الناشئة
أتاحت الدولة مسارًا تنظيميًا واضحًا أمام الشباب الراغبين في دخول مجال جمع وتدوير المخلفات، يبدأ بالحصول على رخصة من جهاز تنظيم إدارة المخلفات، ثم التوجه إلى الهيئة العامة للاستثمار لتأسيس الشركة وفق أنشطة محددة.
ويتم تصنيف الشركات إلى فئات (أ، ب، ج) وفق القدرة التشغيلية والمعدات، بما يسمح للشركات الصغيرة بالبدء في نطاقات محدودة مثل جمع مخلفات الأحياء أو المخلفات التجارية من المولات والمطاعم، قبل التوسع تدريجيًا.
كما توفر وزارة البيئة دعمًا فنيًا وبرامج تدريبية للعاملين في مجال الفرز من المنبع، بهدف رفع كفاءة التشغيل وتحقيق عوائد قد تتجاوز 30% سنويًا في بعض المشروعات.
المخلفات الإلكترونية.. “منجم معادن” جديد
في تطور لافت، برزت المخلفات الإلكترونية كأحد أهم قطاعات التدوير الواعدة، نظرًا لاحتوائها على معادن ثمينة مثل الذهب والنحاس والبلاتين داخل الهواتف المحمولة وأجهزة الحاسب الآلي.
وتشير تقديرات فنية إلى أن طنًا واحدًا من اللوحات الإلكترونية (البوردات) قد يعادل قيمته أضعاف المواد الخام التقليدية، ما يجعل هذا القطاع أحد أكثر مجالات الاستثمار ربحية في سوق التدوير.
كما يجري التوسع في إنشاء منصات رقمية لتنظيم هذا النشاط، من بينها منصة “E-Tadweer”، التي تستهدف ربط الموردين بالمصانع وتسهيل عمليات البيع والتجميع والتصدير.
المخلفات الطبية.. قطاع عالي العائد والاشتراطات
إلى جانب ذلك، يمثل قطاع المخلفات الطبية واحدًا من أكثر المجالات حساسية وربحية في الوقت نفسه، حيث يتطلب تجهيزات خاصة ومعايير أمان صارمة، لكنه يعتمد على عقود ثابتة مع المستشفيات والعيادات الخاصة.
ويؤكد خبراء أن هذا القطاع قادر على تحقيق تدفقات مالية مستقرة، خاصة مع زيادة الاعتماد على خدمات التخلص الآمن من النفايات الطبية داخل المنظومة الصحية.
حوافز ضريبية وتمويل ميسر
ضمن سياسة تشجيع الاستثمار الأخضر، تم إدراج مشروعات تدوير المخلفات ضمن مبادرات التمويل منخفض الفائدة، حيث يوفر البنك المركزي تمويلًا بفائدة 5% لدعم هذه المشروعات.
كما تمنح الدولة إعفاءات جمركية كاملة على معدات الجمع والفرز والتدوير، بما في ذلك المكابس وسيارات النقل وخطوط الإنتاج المستوردة، وهو ما يساهم في خفض تكاليف الإنشاء بنسبة تصل إلى 25%.
وتشير تقديرات اقتصادية إلى أن فترة استرداد رأس المال في هذه المشروعات لا تتجاوز 3 إلى 4 سنوات، ما يجعلها من أكثر القطاعات جذبًا للاستثمار خلال المرحلة الحالية.

عبء بيئي إلى أصل اقتصادي
من جانبه، قال الدكتور الحسين حسان، خبير التنمية المستدامة، إن التحول الذي تشهده مصر في ملف إدارة المخلفات يمثل نقلة نوعية حقيقية من إدارة “الأزمة” إلى إدارة “الموارد”، موضحًا أن التعامل مع النفايات باعتبارها قيمة اقتصادية يعكس تغيرًا في فلسفة الدولة نحو الاقتصاد الدائري.
وأضاف حسان، في تصريحات لـ"صدى البلد"، أن التوسع في إنشاء المحطات الوسيطة ومصانع التدوير، إلى جانب الحوافز الضريبية والجمركية، يخلق بيئة استثمارية جاذبة قادرة على جذب القطاع الخاص والشركات الناشئة، خاصة في ظل انخفاض تكلفة الدخول وتحسن معدلات العائد على الاستثمار.
وأوضح أن دمج المخلفات الإلكترونية والطبية ضمن منظومة التدوير يمثل خطوة متقدمة للغاية، نظرًا لما تحتويه من معادن نادرة وقيمة اقتصادية مرتفعة، مشيرًا إلى أن هذا النوع من الصناعات يمكن أن يضع مصر على خريطة الدول الرائدة في إعادة تدوير الموارد عالية القيمة.
وأكد خبير التنمية المستدامة أن نجاح هذه المنظومة يرتبط بمدى استمرارية الدعم المؤسسي وتكامل الأدوار بين الحكومة والقطاع الخاص والمجتمع المدني، إلى جانب رفع الوعي المجتمعي بأهمية الفرز من المصدر، لافتًا إلى أن المرحلة المقبلة قد تشهد تحول “كيس القمامة” من عبء بيئي إلى أصل اقتصادي منتج يساهم في دعم النمو المستدام.
نحو اقتصاد دائري ومستدام
يعكس التحول في ملف المخلفات توجهًا استراتيجيًا نحو الاقتصاد الدائري، الذي يقوم على إعادة استخدام الموارد وتقليل الفاقد وتعظيم القيمة الاقتصادية للنفايات.
ويرى خبراء البيئة أن هذا التحول قد يضع مصر في موقع متقدم إقليميًا في صناعة إعادة التدوير، خاصة مع توافر البنية التحتية والتشريعات الداعمة والطلب المتزايد على المواد الخام المعاد تدويرها.
ويمثل ملف المخلفات اليوم أحد أبرز ملامح التحول الاقتصادي والبيئي في مصر، حيث لم تعد القمامة مجرد تحدٍ حضري، بل أصبحت فرصة استثمارية وصناعية قابلة للنمو، تعيد تشكيل العلاقة بين البيئة والاقتصاد، وتفتح الباب أمام جيل جديد من المشروعات الخضراء القادرة على خلق فرص عمل وتعزيز الاستدامة.
ومع توسع الدولة في إنشاء محطات المعالجة وتقديم الحوافز الاستثمارية، يبدو أن “كيس القمامة” في مصر لم يعد نهاية دورة استهلاك، بل بداية مشروع اقتصادي متكامل.





