ألقى الدكتور هاني عودة، مدير عام الجامع الأزهر، خطبة الجمعة بمجمع الرواق الأزهري بالمظلات، التابع للجامع الأزهر الشريف، وجاءت تحت عنوان: "الهجرة.. إصلاح وبناء".
واستهل الدكتور هاني عودة، خطبة الجمعة اليوم، بالتأكيد على أن حدث الهجرة النبوية المباركة من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة ليس مجرد واقعه تاريخية عابرة، بل هو مدرسة إيمانية وتربوية متكاملة الأركان، تستلزم منا وقفات طويلة لاستلهام دروسها التي لا تنضب في بناء الأوطان وإصلاح المجتمعات، متخيرًا قطرات من غيث هذا الحدث الجلل.
وأوضح مدير الجامع الأزهر أن أول هذه الدروس هو الصبر والتحمل، حيث لبث رسول الله ثلاثة عشر عامًا في مكة يدعو إلى الله في بيئة جافة عاند طغاتها ورفضوا نشر الوحي الإلهي، ومع ذلك تحلى بالنبي الكريم بالصبر الجميل ولم يتخلَّ عن دعوته إعلاءً لكلمة الله، مستشهدًا بقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَىٰ وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾، وموجهًا رسالة للمصلين بضرورة الاقتداء بـ "خير خلق الله" في الصبر على الشدائد.
المثل الأعلى في الحب والفداء
وانتقل إلى درس "الصاحب واختيار الصديق"، مؤكدًا أن سيدنا أبا بكر الصديق ضرب المثل الأعلى في الحب والفداء، فكان يمشي تارة أمام النبي وتارة خلفه خشية عليه، وعلق د. عودة قائلًا: "الصاحب ساحب، فكم من صديق كان سببًا في الخير لصديقه أو العكس، مصداقًا لقوله: (المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل)"، كما شدد على "أداء الأمانة"، موضحًا عظَم الأخلاق النبوية؛ فرغم أن المشركين تآمروا على قتل النبي ﷺ، إلا أنه لم يخن الأمانة بل أمر برد الأمانات إلى أصحابها، تطبيقًا للأمر الإلهي: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا﴾.
واستعرضت الخطبة نماذج مضيئة من التضحية والفداء؛ كسيدنا صهيب الرومي، الذي تخلى عن كل ثروته للمشركين لشراء حريته وهجرته، وسيدنا علي بن أبي طالب الذي نام في فراش النبي ﷺ مضحياً بحياته لتمويه المشركين.
وفي لفتة بليغة، أشار الدكتور هاني عودة، إلى معجزة خروج النبي من بيته أمام محاصريه وهو يتلو: ﴿وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾.
واختتم الدكتور هاني عودة خطبته بذكر الاستقبال المهيب لأهل المدينة المنورة (الأنصار) للحبيب المصطفى بقلوب صافية ونفوس سامية، مرددين أنشودتهم الخالدة: "طلع البدر علينا من ثنيات الوداع"، لافتاً إلى أنه حتى يومنا هذا، يرتبط ذكر المدينة بمسجد رسول الله وقبره الشريف، داعيًا المولى -عز وجل- أن يرزق المسلمين جميعًا زيارته الشريفة والموت في البقيع بجواره.

