قناة صدى البلد البلد سبورت صدى البلد جامعات صدى البلد عقارات Sada Elbalad english
عاجل
english EN
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل

عبد السلام فاروق يكتب: الرياضة والأمن القومي

عبد السلام فاروق
عبد السلام فاروق

دار بيني وبين اللواء هشام الحلبي، المستشار في أكاديمية ناصر العسكرية العريقة، حديث جانبي، من ذلك النوع من الأحاديث التي تنشأ في المسافات الفاصلة بين حدث وآخر، وفي دقائق الانتظار التي تسبق الخروج إلى الهواء مباشرة. كنا على أبواب استوديو برنامج "صباحك مصري" على قناة إم بي سي مصر، بصحبة الإعلامي القدير هشام عاصي، وكان موضوع الحديث، كما يحدث غالبًا بين المصريين في لقاءاتهم العابرة وجلساتهم الممتدة، كرة القدم.

كان حديثًا عن كرة القدم في ظاهره، لكنه كان في حقيقته كشفًا عن معنى خفي، وسرًا دفينًا من أسرار هذا الوطن. كنا نتحدث عن المنتخب الوطني، عن تعادله المشرف مع بلجيكا في كأس العالم، وعن الأداء الذي أثلج الصدور.

 لكن الحديث، وكأنما له عقل لا نعرفه، انزلق من تلقاء نفسه إلى سؤال آخر، سؤال يخرج من أعماق القلب لماذا لا يوجد في قرى مصر ونجوعها دوري منظم للشباب في شهور الصيف؟

ظننت أني أسأل عن الرياضة. لكن اللواء الحلبي، وقد خبر الحياة وخبرته، نظر إلي نظرة من رأى بعين البصيرة ما لا يرى بالعين المجردة، وقال: "إننا لا نتحدث عن لعب الكرة، بل نتحدث عن أمن البلد من الداخل".

عند هذه الكلمات، انكشف لي حجاب. رأيت فجأة ما كان مخبوءًا تحت السطح. أدركتُ أن الفراغ ليس عدمًا، وأن الصمت ليس سكونًا، وأن الشاب الذي لا يجد ملعبًا يركض فيه، ولا فريقًا ينتمي إليه، ولا هدفًا يسعى نحوه، إنما هو روح معلقة تبحث عن معنى، ونفس تائهة تبحث عن هوية. فإن لم تجد هذا المعنى في قميص فريقها وألوان قريتها وهتاف أهلها، فسوف تبحث عنه في مكان آخر. في جماعة أخرى. في طريق آخر قد لا تحمد عقباه.

إنها معادلة الوجود ذاتها؛ فالطبيعة لا تعرف الفراغ. والروح البشرية لا تحتمل العدم. وحين تخلو النفس من الرياضة والفن والثقافة والأمل، فإنها تمتلئ بغيرها. تمتلئ باليأس، أو بالغضب، بكل ما يهدم ولا يبني.

وهنا مربط الفرس. إنني أتحدث عن مراكز الشباب في القرى المصرية. صحيح أن أبوابها تفتح في الصيف، لكن هل فتح الباب وحده يكفي؟ هل تكفي الجدران والسقف لكي يحيا الإنسان؟ كلا. إن الروح لا تشبعها الحيطان. فالشباب يحتاجون إلى ما يملأ الروح قبل الجسد يحتاجون إلى دوري، إلى منافسة شريفة، إلى بطولة تجمع القرى، إلى مسابقات في كرة القدم وكرة السلة وغيرها من الرياضات الجماعية.

هذه البرامج وحدها هي التي تبدل شكل المركز من مبنى صامت إلى كيان حي نابض. هذه البرامج وحدها هي التي تغير طاقة الشباب من قنبلة موقوتة إلى طاقة للبناء والاعتزاز. لذلك فإن غياب هذه البرامج هو جوهر الأزمة وبيت القصيد.

ثم تأملوا معي كلمة "الروح المعنوية". إنها ليست حكرًا على الجيوش. إنها روح الأمة كلها. إنها ذلك الإيمان العميق بأن للحياة معنى، وأن للتعب ثمرة، وأن للوطن قيمة. كيف نطلب من شاب أن يحب وطنه ويدافع عن ترابه ونحن لم نمنحه حتى أبسط حقوقه في أن يفرح ويحلم؟ كيف نطلب منه الولاء ونحن لم نوفر له مساحة آمنة يمارس فيها طفولته وشبابه؟

الرياضة، في جوهرها، ليست لهوًا ولا لعبًا. إنها مصنع للرجولة، ومدرسة للانضباط، وساحة لتعلم معاني الحياة. في الملعب يتعلم الشاب أن الفريق أهم من الفرد، وأن الجماعة تقدم على الذات، وأن للحكم سلطة يجب احترامها، وأن الفوز لا يدوم، وأن الخسارة ليست نهاية المطاف.

هذه هي القيم التي نبكي عليها. وهي موجودة، حية، نابضة، في ملعب كرة قدم متواضع في أفقر قرى مصر، حين يقام فيه دوري منظم جاذب، لا حين يكون مجرد مساحة ترابية لا روح فيها.

الرياضة تصنع أبطالًا. والأبطال هم القدوة. والشباب يحتاج إلى قدوة يراها أمامه كل يوم، من لحم ودم، من قريته ومن ناسه. فإن لم يجد هذه القدوة في الملعب، فسيجدها في الشارع. سيأتي البلطجي فيأخذ مكان البطل. وسيأتي المجرم فيأخذ مكان القدوة. إنها معادلة بسيطة لا تحتاج إلى فيلسوف. الفراغ لا يظل فارغًا أبدًا. هذه سنة الله في خلقه.

وهكذا نصل إلى جوهر الأمر الأمن القومي. لطالما حصرنا هذا المفهوم في الجيش والشرطة والمخابرات. وكلها مؤسسات جليلة تقوم بواجبها. لكن الأمن الحقيقي، الأمن الذي لا تهزه العواصف، هو تماسك المجتمع من الداخل. هو قدرته على الصمود. هو ألا نترك شبابنا فريسة لليأس. فالإرهاب ليس فقط العبوة الناسفة. الإرهاب، قبل أن ينفجر، فكرة. والفكرة لا تدخل العقل إلا إذا كان فارغًا.. فارغًا من الرياضة، فارغًا من الفن، فارغًا من الثقافة، فارغًا من الأمل. نحن الذين نصنع هذا الفراغ بأيدينا، بإهمالنا وتقصيرنا، ثم نقف مذهولين نتعجب من النتائج.

ولدينا مشكلة في الفهم. مشكلة في الثقافة الإدارية. أننا نبني مراكز الشباب، نفتتحها باحتفال، نلتقط الصور، ثم نغلق الباب ونمضي وكأن المهمة انتهت. ونحن لا نتحدث هنا عن باب موصد، بل عن باب مفتوح على العدم، عن مركز بلا جدول مباريات، بلا برامج، بلا دوري يمنحه الروح. الشباب ليسوا مباني. الشباب ليسوا أرقامًا. الشباب يحتاجون إلى مدرب، إلى دوري، إلى حلم. وإني لأعرف قصة حقيقية لقرية من قرى صعيد مصر، مركز شبابها مبني ومتكامل، لكنه مغلق. السبب؟ لا يوجد بند في الميزانية لإقامة دوري أو مسابقة. مئات الآلاف لبناء المركز، والعجز عن مئات الجنيهات لتنظيم مسابقة جماعية. هذا ليس نقصًا في الموارد، هذا عجز في الإرادة، فشل في إدراك جوهر الأمور.

والمفارقة أن أصل كلمة "رياضة" مشتق من الفعل "راض"، بمعنى هذب وقوم وعلم. في الملعب نهذب النفس، ونقوم الأخلاق، ونتعلم الحياة. هذه الدروس لا يمكن أن نتتعلمها في الفراغ، بل في خضم المنافسة، في حماسة الدوري، في المباراة التي ينتظرها اللاعب أسبوعًا بعد أسبوع. التعصب الكروي الأعمى الذي نشهده ليس سوى ثمرة لأننا لم نزرع هذه القيم في الصغر، لأننا تركنا الفراغ فملأه غيرنا. التعصب الأعمى هو الابن الشرعي للفراغ.

وفي النهاية، أقولها صريحة أنني لا أملك وصفة سحرية. لكنني أعرف أن الكل مسئول. الحكومة، والمجتمع، والنخبة الصامتة. والمطلوب ليس ميزانية أكبر، بل عقلية أخرى، رؤية أخرى، طريقة أخرى في النظر إلى شباب مصر. هل نراهم مشكلة نخشاها، أم ثروة نستثمر فيها ونراهن عليها؟

إن لم ندرك أن تنظيم دوري كرة قدم في قرية منسية في عز الصيف، أو دوري لكرة السلة، أو أي مسابقة رياضية جماعية منظمة، يمكنه أن يمنع حالة تطرف، ويوقف موجة يأس، ويخلق أملًا جديدًا، ويحمي أمن مصر من الداخل قبل أن يأتيها الخطر من الخارج، فنحن ببساطة لا نفهم شيئًا.

إن الأمن القومي لا يبدأ من الحدود ونقاط التفتيش فحسب. إنه يبدأ من أقرب ملعب كرة قدم لأقرب شاب مصري، حين يكون هذا الملعب عامرًا بمنافسة شريفة وبدوري منظم. وكل ما عدا ذلك، مهما بدا مهمًا، يظل كلامًا. والكلام وحده لا يبني أوطانًا ولا يصون كرامة إنسان.