أثار الاتفاق الإطاري الذي وقعته الحكومة اللبنانية وإسرائيل برعاية الولايات المتحدة في واشنطن موجة واسعة من الانقسام السياسي والشعبي داخل لبنان، وسط تباين حاد بين القوى التي اعتبرته مدخلاً لإنهاء المواجهة العسكرية واستعادة سيادة الدولة، وأخرى وصفته بأنه تنازل سياسي يهدد وحدة البلاد ويفتح الباب أمام صدامات داخلية.
وفي مقدمة الرافضين للاتفاق، حذر رئيس مجلس النواب نبيه بري من مخاطر الانزلاق نحو الفتنة، موجهاً رسالة إلى اللبنانيين دعاهم فيها إلى تجنب الانقسام الداخلي، مستشهداً بالمقولة الشهيرة: "كن في الفتنة كابن اللبون لا ظهراً فيركب ولا ضرعاً فيحلب"، في إشارة إلى خطورة المرحلة التي يمر بها لبنان وضرورة عدم الانجرار إلى صراعات داخلية.
وجاء موقف حزب الله أكثر تشدداً، إذ أعلن الحزب رفضه الكامل للاتفاق وللمفاوضات المباشرة مع إسرائيل، معتبراً أن ما جرى يمثل خروجاً على الثوابت الوطنية والدستورية.
وأكد عضو كتلة الوفاء للمقاومة النائب حسن فضل الله أن المفاوضات المباشرة تخالف المادة 52 من الدستور اللبناني، محذراً من أن ربط الانسحاب الإسرائيلي بنزع سلاح المقاومة يشكل مساساً بسيادة لبنان ويهدد بإشعال انقسامات خطيرة. وأضاف أن الحكومة اللبنانية لن تتمكن من فرض تنفيذ الاتفاق إلا إذا اتجهت، بدعم خارجي، إلى مواجهة داخلية، مؤكداً أن الحزب سيعارض أي خطوات تستهدف المقاومة أو سلاحها.
بدوره، وصف رئيس كتلة الوفاء للمقاومة النائب محمد رعد الاتفاق بأنه "بيان مرفوض" لأنه يمنح، بحسب تعبيره، غطاءً لبقاء الاحتلال الإسرائيلي في جنوب لبنان، ويربط الانسحاب الإسرائيلي بشروط تتعلق بنزع سلاح حزب الله، معتبراً أن ذلك يمثل تفريطاً بالسيادة الوطنية وتبنياً للرؤية الأمريكية والإسرائيلية.
ولم تقتصر الاعتراضات على حزب الله، إذ انتقدت النائبة المستقلة حليمة القعقور الاتفاق، متسائلة عن أسباب تخلي الدولة اللبنانية عن ملاحقة إسرائيل قضائياً على جرائم الحرب، معتبرة أن أي سلام لا يستند إلى العدالة لن يحقق استقراراً دائماً.
كما أعلن الأمين العام للحزب الشيوعي اللبناني حنا غريب رفضه الاتفاق، واصفاً إياه بأنه خطوة نحو التطبيع، داعياً إلى توحيد الجهود لإسقاطه.
وترافقت هذه المواقف مع احتجاجات شهدتها بيروت وعدد من المناطق اللبنانية، حيث تجمع محتجون في محيط السراي الحكومي ومنطقة الرملة البيضاء، بينما أقدم آخرون على قطع طرق رئيسية وإشعال الإطارات رفضاً للاتفاق، في مشهد عكس حجم الانقسام الشعبي الذي رافق الإعلان عنه.
في المقابل، برزت مواقف سياسية مؤيدة اعتبرت الاتفاق فرصة لإخراج لبنان من دوامة المواجهات العسكرية. وأكدت السفيرة اللبنانية في واشنطن ندى حمادة معوض أن الاتفاق يمثل خطوة أولى لاستعادة سيادة الدولة وتأمين وقف دائم للأعمال العدائية وعودة النازحين إلى مناطقهم. كما رأت عضو المكتب السياسي في حزب الكتائب جويل بو عبود أن الاتفاق يضع مساراً تدريجياً لانسحاب القوات الإسرائيلية مقابل بسط سلطة الدولة والجيش اللبناني على كامل الأراضي، معتبرة أن حصر السلاح بيد الدولة يشكل مدخلاً لاستعادة هيبتها وإنهاء حالة الازدواجية الأمنية.
وبحسب البنود المعلنة، ينص الاتفاق على إنشاء آلية أمنية بإشراف أمريكي، مع استمرار الوجود الإسرائيلي في بعض مناطق جنوب لبنان خلال مرحلة انتقالية، وربط الانسحاب الكامل بإجراءات تتعلق بنزع سلاح حزب الله وتفكيك بنيته العسكرية، وهو ما ترفضه قوى المقاومة بشكل قاطع، بينما تعتبره القوى المؤيدة للاتفاق أساساً لبناء مرحلة جديدة من الاستقرار.
ويعكس الجدل الدائر حول الاتفاق حجم الانقسام داخل الساحة اللبنانية بين مشروع يركز على أولوية المقاومة في مواجهة إسرائيل، وآخر يدعو إلى حصر القرار الأمني والعسكري بيد الدولة، فيما تبقى قدرة الحكومة على تنفيذ بنود الاتفاق مرهونة بالتوافق الداخلي، في ظل تحذيرات متزايدة من أن يؤدي استمرار الاستقطاب السياسي إلى تعميق الأزمة الداخلية وإعادة إنتاج مشهد الانقسام الذي شهدته البلاد في محطات سابقة.

