الفريق ياسر الطودي:
التطور التكنولوجي أحدث تحولا في مفهوم الصراعات العسكرية
- الحروب انتقلت من نمطها التقليدي إلى الحروب الذكية
الجيوش أصبحت تعتمد على أنظمة الذكاء الاصطناعي والمسيرات والهجمات السيبرانية في تسليحها وهجامتها
نجحنا في تصنيع عدد من الأنظمة والمعدات محليا
تحتفل مصر والقوات المسلحة في الثلاثين من يونيو من كل عام بعيد قوات الدفاع الجوي، حين تمكنت تجميعات الدفاع الجوي في هذا اليوم عام 1970 من إسقاط طائرتي "فانتوم" لأول مرة وطائرتي "سكاى هوك" وأسر ثلاث طيارين، وتوالى بعد ذلك سقوط الطائرات حتى وصلت إلى 12 طائرة بنهاية الأسبوع وهو ما أطلق عليه أسبوع تساقط الفانتوم، وقد إتخذت قوات الدفاع الجوي يوم الثلاثين من يونيو عام 1970عيدا لها.
وبمناسبة الاحتفال بالعيد الـ 56 للدفاع الجوي، استعرض الفريق ياسر الطودي قائد قوات الدفاع الجوي، تاريخ الدفاع الجوي ونشاتها، وأبرز محطاتها القتالية، ودورها في حماية سماء مصر، إلى جانب رؤيتها لمواجهة التحديات العسكرية الحديثة، وجهودها في تطوير العنصر البشري والبحث العلمي والتصنيع العسكري.
ثلاثينيات القرن الماضي
كشف قائد قوات الدفاع الجوي أن جذور هذا السلاح تعود إلى عام 1937، مع تشكيل وحدات المدفعية متوسطة المدى والأنوار الكاشفة، والتي شاركت في الحرب العالمية الثانية وحربي عامي 1948 و1956، وتولت مهمة الدفاع الجوي عن المدن الرئيسية.
وأشار إلى أن أول إنجاز بارز للدفاع الجوي المصري تحقق في يونيو عام 1941 بمدينة الإسكندرية، عندما نجحت القوات في صد هجوم جوي مكثف شنته دول المحور باستخدام نحو 100 طائرة، في أول شهادة عملية على كفاءة هذا السلاح.
وأضاف أن العدوان الثلاثي عام 1956 كشف الحاجة الملحة إلى امتلاك أنظمة صاروخية حديثة، في ظل محدودية قدرات المدفعية المضادة للطائرات مقارنة بالتطور الكبير في الطيران الحربي آنذاك، وهو ما دفع مصر إلى التعاقد على منظومات الصواريخ السوفيتية «سام-2»، التي بدأت في الوصول عام 1961، وشاركت لاحقًا في حرب يونيو 1967.
وأكد أن أبرز دروس تلك الحرب تمثلت في ضرورة إنشاء قوات الدفاع الجوي كفرع رئيسي مستقل داخل القوات المسلحة، وهو ما تحقق بصدور القرار الجمهوري رقم 199 في 14 فبراير 1968، معلنا ميلاد قوات الدفاع الجوي باعتبارها القوة الرابعة في القوات المسلحة المصرية.

حرب الاستنزاف وحائط الصواريخ
واستعرض قائد قوات الدفاع الجوي الدور التاريخي الذي لعبته القوات خلال حرب الاستنزاف، مؤكدا أن القوات المسلحة استفادت من دروس 1967، وبدأت مرحلة إعادة البناء والتسليح والتنظيم والتدريب القتالي، بالتزامن مع تنفيذ مشروع إنشاء "حائط الصواريخ"، الذي مثل شبكة دفاعية متكاملة من الصواريخ والمدفعية المضادة للطائرات داخل مواقع محصنة، بهدف حماية التجمعات الرئيسية للقوات المسلحة والأهداف الحيوية، وتوفير مظلة دفاعية امتدت حتى شرق قناة السويس.
وأشار إلى أن إنشاء تلك المواقع جرى في ظروف شديدة الصعوبة، وسط استهداف مستمر من الطيران الإسرائيلي، مؤكدا أن رجال الدفاع الجوي والمهندسين العسكريين والمدنيين قدموا تضحيات كبيرة لإنجاز هذا المشروع.
كما أوضح أنه اعتبارا من 16 أبريل 1970 بدأت قوات الدفاع الجوي تنفيذ كمائن الصواريخ بمنطقة القناة، والتي نجحت في إلحاق خسائر مؤثرة بالطيران المعادي، ومهدت الطريق لاستكمال بناء حائط الصواريخ.

أسبوع تساقط الفانتوم
وأضاف أن اكتمال نشر كتائب الصواريخ أسفر عن إسقاط أحدث الطائرات الإسرائيلية من طرازي "فانتوم" و "سكاي هوك"، وأسر عدد من طياريها، في سابقة كانت الأولى من نوعها بالنسبة لطائرات "الفانتوم"، وهو ما عرف لاحقا بـ "أسبوع تساقط الفانتوم"، لتتخذ قوات الدفاع الجوي يوم 30 يونيو عيدًا لها.
كما نجحت القوات، خلال الفترة من أبريل إلى أغسطس 1970، في حرمان الطيران الإسرائيلي من الاقتراب من قناة السويس أو اختراق العمق المصري، الأمر الذي أسهم في قبول إسرائيل بمبادرة روجرز لوقف إطلاق النار اعتبارًا من 8 أغسطس 1970.
وأوضح أن قوات الدفاع الجوي واصلت نجاحاتها خلال فترة وقف إطلاق النار، بعدما تمكنت في 17 سبتمبر 1971 من إسقاط طائرة الاستطلاع الإلكتروني "إستراتوكروزار" عبر تنفيذ كمين صاروخي ناجح، وهو ما حرم العدو من استطلاع القوات المصرية المنتشرة على طول الجبهة.

حرب أكتوبر وفقدان العدو ثلث طائراته
وفي حديثه عن حرب أكتوبر 1973، أكد قائد قوات الدفاع الجوي أن القوات أدت دورا محوريا في تحقيق النصر، مستفيدة من الخبرات المكتسبة خلال حرب الاستنزاف، ومن انضمام منظومات دفاع جوي حديثة قادرة على مواجهة التفوق الجوي الإسرائيلي.
وأشار إلى أنه مع بدء العمليات في السادس من أكتوبر، تم رفع درجات الاستعداد القتالي واحتلال مراكز القيادة، وتأمين الضربة الجوية المصرية الأولى، قبل أن تتولى قوات الدفاع الجوي تأمين موجات العبور.
وأضاف أن محطات الرادار رصدت الطائرات الإسرائيلية في الدقائق الأولى للمعركة، لتتعامل معها وسائل الدفاع الجوي بكفاءة، وتنجح في إسقاط أكثر من 25 طائرة معادية خلال الساعات الأولى، إلى جانب إصابة طائرات أخرى وأسر عدد من الطيارين، الأمر الذي دفع قيادة سلاح الجو الإسرائيلي إلى إصدار أوامر بعدم الاقتراب من قناة السويس لمسافة تقل عن 15 كيلومترا.
وأكد أن قوات الدفاع الجوي واصلت توفير المظلة الصاروخية للقوات البرية أثناء تقدمها شرقا، كما تصدت للهجمات الجوية على الأهداف الحيوية في الدلتا والبحر الأحمر، وحققت نجاحا لافتا في التصدي للهجمات المكثفة على مدينة بورسعيد يومي 8 و11 أكتوبر، رغم كثافة الغارات الجوية، وهو ما دفع المسؤولين الإسرائيليين إلى الاعتراف بعجزهم عن اختراق شبكة الصواريخ المصرية.
وأشار إلى أن خسائر سلاح الجو الإسرائيلي خلال الأيام الأولى للحرب بلغت نحو ثلث طائراته وأفضل طياريه، فيما تمكنت قوات الدفاع الجوي طوال الحرب من إسقاط 326 طائرة معادية وأسر 22 طيارًا، بما أسهم في تحقيق النصر العسكري وفرض خيار التفاوض الذي انتهى باستعادة سيناء.

الحروب الحديثة
وعن طبيعة الحروب الحديثة، أكد الفريق ياسر الطودي أن التطور التكنولوجي أحدث تحولًا جذريًا في مفهوم الصراعات العسكرية، مع الاعتماد المتزايد على الذكاء الاصطناعي في العمليات النفسية، وتحليل البيانات، وتوجيه الأسلحة والطائرات المسيّرة، ودعم اتخاذ القرار، والهجمات السيبرانية، وإدارة المنظومات اللوجستية، فضلًا عن تطوير أنظمة الدفاع الجوي، وهو ما أدى إلى انتقال الحروب من نمطها التقليدي إلى الحروب الذكية، وتعقيد معادلات الردع بين الدول.

المسيرات الصواريخ الباليستية والفرط صوتية
وأوضح أن أبرز التهديدات الجوية الراهنة تتمثل في الأسلحة بعيدة المدى، والصواريخ الباليستية والفرط صوتية، التي أصبحت تتمتع بقدرات عالية على المناورة وتغيير المسار، واستخدام الرؤوس الحربية المتعددة وتقنيات الذكاء الاصطناعي، فضلا عن الانتشار الواسع للطائرات المسيرة القادرة على تنفيذ مهام الاستطلاع والهجوم بصورة مستقلة أو ضمن أسراب، إلى جانب تصاعد مخاطر الحروب السيبرانية التي أصبحت تمثل أحد أهم ميادين الصراع الحديثة.
وأشار إلى أن مواجهة هذه التحديات تتطلب امتلاك منظومات رادار متطورة مدعومة بشبكات استشعار فضائية، وتطوير أنظمة دفاع جوي متعددة الطبقات تتمتع بسرعة الحركة والاستجابة، وتوظيف تطبيقات الذكاء الاصطناعي، إلى جانب الاعتماد على أسلحة الطاقة الموجهة والليزر، ووسائل الإعاقة الإلكترونية، وتطوير التعاون بين أفرع القوات المسلحة، وتعزيز إجراءات الأمن السيبراني، فضلا عن تطوير وسائل خداع الأنظمة المعتمدة على الذكاء الاصطناعي.

العنصر البشري
وأكد قائد قوات الدفاع الجوي أن العنصر البشري يظل الركيزة الأساسية للمنظومة القتالية، مشيرز إلى أن القوات تنفذ برنامجا متكاملا لإعداد الفرد المقاتل، يقوم على غرس قيم الانتماء والولاء، وتعزيز الوعي الفكري والديني، والاهتمام بالجوانب النفسية والمعرفية، إلى جانب تطوير العملية التعليمية والتدريبية بكلية الدفاع الجوي ومعهد الدفاع الجوي، وتأهيل الضباط داخل مصر وخارجها، وتنفيذ تدريبات تخصصية ورمايات عملية ومناورات مشتركة مع الدول الشقيقة والصديقة.
تحديث الأسلحة والمعدات
وفي إطار التطوير المستقبلي، أوضح أن مركز البحوث الفنية والتطوير للدفاع الجوي يقود منظومة تحديث الأسلحة والمعدات، من خلال توطين التكنولوجيا، وإطالة العمر الفني للمنظومات الحالية، والتوسع في التصنيع العسكري المشترك، بالتعاون مع وزارة الإنتاج الحربي والهيئة العربية للتصنيع واتحاد الصناعات المصرية، بما يحقق زيادة نسب التصنيع المحلي تدريجيًا.

صناعات دفاعية وطنية
وكشف أن قوات الدفاع الجوي نجحت بالفعل في تصنيع عدد من الأنظمة والمعدات محليا، من بينها الرادارات، ومراكز القيادة والسيطرة، وأنظمة التعارف المؤمنة، والطائرات الهدفية، ومنظومات مواجهة الطائرات المسيرة.
رسالة طمأنة
واختتم الفريق ياسر الطودي حديثه برسالة طمأنة إلى الشعب المصري، مؤكدا أن رجال قوات الدفاع الجوي يقفون على مدار الساعة في أعلى درجات الاستعداد القتالي، مسلحين بالعلم والإيمان وأحدث منظومات التسليح، وقادرين على التصدي بكل حسم وقوة لأي تهديد يستهدف أمن مصر وسماءها.
