رغم أن التاريخ المصرى زاخر بتاريخ نضالى كبير وثورات عدة ضد الاستعمار والظلم والاستبداد ، إلا أن ثورة الثلاثين من يونيو تظل اللحظة الفارقة الأهم في التاريخ المصري الحديث.
فهى لم تكن مجرد انتفاضة شعبية عابرة، بل كانت إعلانا حاسما لرفض شعب أصيل محاولات اختطاف هويته الوطنية، بعدما خرج ملايين المصريين إلى الميادين بوعي وتحرك فطرى رافضين حكم جماعة الإخوان الإرهابية، التي أدارت الدولة بعقلية "العصابة" بعيدا عن مفهوم الوطن وقيمة الأرض ، ولم تكن تعرف معنى قدسية التراب الوطنى ولا تقدر قيمة التضحيات التى بذلت للحفاظ على كل شبر من أرضها.
الاحتفال بهذه المناسبة ليس احتفالا بثورة فقط ، بل احتفاء بإنقاذ الوطن من مصير مجهول، ومن منحدر طائفي ومظلم كاد يعصف بأركانها، وهى لحظة استعاد فيها المصريون شعورهم بالقدرة على صناعة مستقبلهم، ونجحوا فى اجتياز اختبار مصيري يمس هوية واستقرار ومستقبل أجيالها القادمة.
وعلى مدار الـ13 عاما الماضية ، استطاعت الدولة المصرية أن تمضى بثبات وسط أمواج عاتية وعاصفة من أجل بدء إعادة البناء وترسيخ ركائز الاستقرار، فى توقيت بالغ الصعوبة وظروف إقليمية ودولية شديدة التعقيد والاضطراب، شملت موجات غير مسبوقة من الحروب والأزمات السياسية والاقتصادية التي عصفت بالمنطقة والعالم.
ورغم كل الصعاب نجحت مصر تحت قيادة الرئيس عبدالفتاح السيسى فى التصدى لكافة التحديات التى تمس أمنها القومى ، بداية من الأزمات المتلاحقة في قطاع غزة، والاضطرابات المستمرة في ليبيا والسودان، وصولا إلى التهديدات المتصاعدة في البحر الأحمر واليمن، وما فرضته من ضغوط أمنية، واقتصادية، وجيوسياسية، يأتى ذلك بالتزامن مع اندلاع صراعات دولية كبرى ألقت بظلالها على المشهد، كالحرب الروسية الأوكرانية، والمواجهات المباشرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جانب وإيران من جانب ، وفى وسط تلك الأمواج ظهرت أزمة فيروس كورونا التى ألقت بظلالها على الاقتصاد العالمى وتسببت فى ركود اقتصادى عالمى مازالت الاقتصادات الكبرى تدفع ثمنه حتى الآن.
ورغم كل ذلك نجحت مصر فى الحفاظ على استقرارها الداخلي وتجنيب البلاد تداعيات الفوضى وعدم الاستقرار التي شهدتها بعض دول المنطقة و أطاحت باستقرارها ، وحولت مواطنيها إلى لاجئين بعدما دفعتهم لترك أراضيهم بحثا عن الأمن والأمان وكانت مصر الواحة التى وجد فيها ملايين اللاجئين بغيتهم للبقاء فى أمان واستقرار.
ثورة الثلاثين من يونيو كانت إيذانا ببدء المصريين معركة التحدي للعبور من "شبه الدولة" التي كانت على وشك الانهيار التام، إلى عهد "الجمهورية الجديدة"، ولأن لغة الأرقام لا تعرف المجاملات أو الانحيازات، فإن استعراض بعض ما تحقق خلال السنوات الماضية يكشف كيف تغير وجه مصر لتصبح "قد الدنيا".
شهدت مصر طفرة عمرانية غير مسبوقة عبر التوسع في إنشاء مدن الجيل الرابع الذكية، حيث بلغت تكلفة الإنفاق على المجتمعات العمرانية الجديدة نحو تريليون و300 مليار جنيه ، تم تخصيص 25% منها لمدن الأجيال السابقة، بينما ذهب النصيب الأكبر بنسبة 75% (نحو 975 مليار جنيه) لمدن الجيل الرابع التي بدأ تنفيذها منذ عام 2014، وهذا التوسع الجغرافي ضاعف الرقعة المعمورة فبعد أن كانت مصر تشغل 7% فقط من مساحتها عام 2014، أصبحت تشغل اليوم أكثر من 13.7%.
ويؤكد تقرير لهيئة المجتمعات العمرانية الجديدة أن الاستثمارات في هذه المدن بلغت 500 مليار جنيه، ذهب أكثر من نصفها إلى البنية التحتية الأساسية، مما وفر فرص عمل واستثمارات هائلة وحلولا عملية للزيادة السكانية.
وتأتي العاصمة الإدارية الجديدة كعنوان لهذه المدن بمفهومها الذكي، بعدما تضمنت قصرا رئاسيا جديدا ، ومقرا للبرلمان، ومقرات وزارية، حيا دبلوماسيا، البرج الأيقوني الأطول في أفريقيا، مدينة طبية متكاملة، ومسجدا وكاتدرائية هما الأكبر في مصر وأفريقيا، وإلى جانب ذلك تم إنشاء 22 مدينة ذكية أخرى مثل العلمين الجديدة والمنصورة الجديدة، وكل ذلك بالتوازى مع إطلاق 18 إعلانا ضمن المبادرة الرئاسية «سكن لكل المصريين»، والتي طرحت 935 ألف وحدة سكنية لمنخفضي الدخل لضمان حياة كريمة للمواطن.
السنوات الماضية شهدت أيضا وضع الدولة خطة شاملة لتطوير البنية التحتية والطرق والمواصلات بتكلفة إجمالية بلغت 2 تريليون جنيه، منها 530 مليارا للطرق والكبارى ، و225 للسكك الحديدية و1100 مليار جنيه لمترو الأنفاق والجر الكهربائى و129 مليارا للموانيء البحرية و15مليار للموانيء البرية والجافة والمناطق اللوجيستية و4 مليارات للنقل النهرى.
ومن خلال المشروع القومي للطرق، تم تنفيذ 6300 كيلومتر من أصل 7000 كيلومتر بتكلفة 155 مليار جنيه، مما أدى إلى زيادة أطوال الطرق الرئيسية إلى 30.5 ألف كيلومتر مقارنة بـ 23.5 ألف كيلومتر عام 2014، وقفز بمصر 100 مركز عالمي في مؤشر جودة الطرق.
أما في قطاع الكهرباء، فقد تحول العجز المظلم إلى فائض لأول مرة منذ 20 عاما، فبعد أن كان الإنتاج 24 ألف ميجاوات والاستهلاك يتجاوز 28 ألف ميجاوات بعجز يتخطى 4 آلاف ميجاوات ، تم توفير نحو 1000 ميجاوات عبر إحلال وتجديد المحطات، وإنشاء نحو 10 محطات عملاقة جديدة، ويتطلع القطاع لتحسن أكبر مع دخول مشروعات تبادل الطاقة والربط مع دول كالمملكة العربية السعودية.
وبالانتقال إلى المؤشرات الاقتصادية، كان الاحتياطي النقدي لمصر يقف عند حدود 13.6 مليار دولار قبل حكم الرئيس السيسي، بينما تجاوز اليوم حاجز الـ 53.13 مليار دولار لأول مرة في تاريخ مصر بنهاية مايو الماضى، كما قفز أيضا احتياطي الذهب إلى نحو 4.16 مليون أونصة بقيمة تقارب 20.7 مليار دولار.
كما وضعت الجمهورية الجديدة بناء الإنسان المصري في مقدمة أولوياتها، حيث ارتفعت مخصصات قطاعي الصحة والتعليم في الموازنة العامة إلى رقم غير مسبوق بلغ 340 مليار جنيه ،مع زيادة 30% فى الموازنة الجديدة، وفي القطاع الصحي وحده، تم تنفيذ حوالي 1500 مشروع بتكلفة 211 مليار جنيه، وتوجت الجهود بإطلاق 14 مبادرة رئاسية أنقذت ملايين المصريين من طوابير الانتظار ومن الأمراض المزمنة وقضت على شبح فيروس سى ، بالإضافة إلى بدء تعميم تجربة التأمين الصحي الشامل.
وعلى صعيد شبكات الأمان الاجتماعي، تم إطلاق 40 مبادرة رئاسية للاستثمار في الإنسان من الرضيع إلى المسن، إلى جانب صياغة 22 برنامجا لحماية محدودي الدخل بتكلفة سنوية تتجاوز 635 مليار جنيه، وفي مقدمتها برنامج "تكافل وكرامة" الذي يقدم الدعم لـ 4.7 مليون أسرة مستفيدة.
ولمواجهة الزيادة السكانية وتقليل الفجوة الاستيرادية، تحركت مصر نحو الاكتفاء الذاتي في السلع الاستراتيجية عبر حزمة مشروعات عملاقة، منها
مشروع استصلاح 1.5 مليون فدان بتكلفة قدرها 8 مليارات جنيه واستهدف المشروع زيادة الرقعة الزراعية لـ 9.5 مليون فدان (بزيادة تصل لـ 20%)، والاستفادة من المياه الجوفية وزيادة الصادرات الزراعية وإقامة صناعات مرتبطة بالنشاط الزراعي والحيواني والغذائي.
إلى جانب مشروع "الدلتا الجديدة" بتكلفة 300 مليار جنيه، ويعد أضخم مشروع استصلاح في المنطقة، إلى جانب مشروع "مستقبل مصر" لتأمين المحاصيل الاستراتيجية.
وقد نجحت هذه الجهود في تحقيق الاكتفاء الذاتي في صناعات الدواجن، الألبان، الأسماك، و7 محاصيل رئيسية، مع زيادة الصادرات الزراعية لتكسر حاجز 9.5 مليون طن، محققة زيادة تاريخية تجاوزت 300% مقارنة بالمستويات السابقة.
كما دعم مشروع "البتلو" 40 ألف مزارع، مما نتج عنه زيادة رؤوس الماشية بأكثر من 40 ألف رأس ، ولدعم هذه النهضة الزراعية، طورت الدولة منظومة الري عبر تأهيل 7000 كيلومتر من الترع، مما قلل هدر المياه ورفع كفاءة الري بنسبة 20%.
كما شهد قطاع الصناعة قفزة كبيرة حيث ارتفع عدد المناطق الصناعية بنسبة 21.5% لتصل إلى 147 منطقة مقارنة بـ 121 منطقة عام 2014 بتكلفة بلغت أكثر من 10 مليارات جنيه ، وتم إنشاء 17 مجمعا صناعيا في 15 محافظة، وبرزت مشروعات قومية كبرى مثل تطوير صناعة الغزل والنسيج، ومدينة الجلود بالروبيكي التي عززت مكانة مصر كمركز إقليمي ومدينة الدواء.
ونتيجة لذلك، قفزت مصر 11 مركزا في التصنيف العالمي بمؤشر تنوع القاعدة الصناعية المحلية لتحتل المركز 34، وفى نفس الوقت تعمل الدولة حاليا على توطين 23 صناعة استراتيجية بهدف رفع نسبة مساهمة الصناعة في الناتج المحلي الإجمالي إلى 20% بحلول عام 2030 بدلا من 14%، وتوفير 8 ملايين فرصة عمل جديدة.
ولم تكن هذه النهضة التنموية لتتحقق دون درع يحميها وسياسة خارجية مستقلة، لذا فقد أعيد بناء الجيش المصري ليكون واحدا من أقوى جيوش العالم مدعوما بصفقات حاملات المروحيات "الميسترال"، مقاتلات "الرافال"، الغواصات الحديثة، وتأسيس القواعد العسكرية الاستراتيجية الكبرى.
هذه القوة العسكرية والسياسية تجلت في صلابة الموقف المصري الخارجي، حين وقفت مصر بكل ثقلها أمام مخطط صهيوني–أمريكي كان يستهدف تصفية القضية الفلسطينية، ورغم كثرة الإغراءات وحجم الضغوط، جاء القرار المصري واضحا وحاسما بـ "لا" قوية قالها الرئيس السيسي بوجه إدارة ترامب دون خوف، مؤكدا أن صاحب الحق لا يخشى أحدا، ومثبتا أن مصر دولة مستقلة بقرارها ولا تتلقى أوامر من أحد.
هذا العمق الوطني واكبه ربط سيناء مجددا بالوادي عبر 6 أنفاق عملاقة اختصرت رحلة العبور التاريخية إلى دقائق معدودة، مع مضاعفة القدرة الاستيعابية لقناة السويس بإنشاء القناة الجديدة التي قفزت بإيراداتها إلى أرقام تاريخية لولا الأزمات العالمية التى أضرت بالتجارة العالمية .
وفي المشهد الثقافي، تحول الحلم الذي ظل حبرا على ورق لأكثر من 20 عاما إلى حقيقة بافتتاح المتحف المصري الكبير، ليكون هدية مصر للعالم، جنبا إلى جنب مع افتتاح وتحديث عدد كبير من المتاحف الأخرى.
هذا غيض من فيض، وإذا أردنا أن نرصد حجم الإنجازات والمكتسبات التى حققتها ثورة 30 يونيو سنحتاج إلى كتب ومجلدات ، ولغة الأرقام وحدها القادرة عن الكشف عن كيف حولت يونيو من شبه دولة على حافة الهاوية إلى جمهورية جديدة مستقرة وقوية.