قناة صدى البلد البلد سبورت صدى البلد جامعات صدى البلد عقارات Sada Elbalad english
عاجل
english EN
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل

أحمد عاطف آدم يكتب: شروخٌ في مِرآة الطفولة

أحمد عاطف آدم
أحمد عاطف آدم

​في كل مرة تحدث فيها حالة طلاق، سواء كانت في محيطنا القريب أو بلغتنا تفاصيلها من بعيد، تنفطر قلوبنا لا إرادياً؛ وبصفة خاصة إذا علمنا أن هناك أطفالاً عاصروا وشاهدوا أمامهم ذلك التاريخ المرضي من الصراعات المتكررة بين أبويهم، والتي تؤدي حتماً لتشويه قناعاتهم عن قيمة تلك العلاقة المقدسة ودفئها مستقبلاً، وربما تدفعهم في النهاية لاتخاذ قرارٍ قاطع بالعزوف عنها.

​وفي الساعات التي سبقت صلاة الجمعة الماضية بمنطقة "الظاهرية" شرق مدينة الإسكندرية، وبينما كان يتهيأ جد الأبناء للخروج متوجهاً إلى المسجد، كان الغدر يربض خلف الباب ممسكاً بأدواته الحادة والصلبة. لم يكن الرجل يتوقع أن تهديدات طليق ابنته، التي اضطرتها للفرار من شقة التمكين واصطحاب أطفالها للاحتماء ببيت أبيها، هي وعيد حقيقي؛ حتى باغته الجاني بهجومٍ ضارٍ طعنه فيه بلا هوادة وبكل خسة ونذالة، ليسقط الأب المكلوم يصارع الموت، ثم دلف القاتل الخائن للعهد إلى المسكن مفرغاً حقد السنين بطعناتٍ متتالية أنهت حياة طليقته المسكينة وسط صراخ الصغار المصدومين، قبل أن يوجه نكاله للجدة المفجوعة، لينتهي المشهد بين مقتل سيدة، وإصاباتٍ قاسية لوالديها وضعتهما بين الحياة والموت في ردهات المستشفى، بينما نجح الأهالي في السيطرة على القاتل وتسليمه لرجال المباحث.

وخلف هذا المشهد المأساوي عزيزي القارئ، أضافت ذاكرة الأطفال المشحونة بالشقاق مشهداً دامياً واقتلاعاً كاملاً لجذور الطمأنينة من وجدانهم صوتاً وصورة، لينتظروا مصيراً مجهولاً يعقبه سماع الحكم العادل بحق أبيهم، وهو في الغالب سيكون الإعدام شنقاً.

​ومن شواهد الواقع المحلي في "الظاهرية"، نطير عبر الذاكرة الجنائية الدولية لنستمع إلى صدى اعترافاتٍ هزت الوجدان الإنساني في ساحات المحاكم الغربية؛ وهي اعترافات السفاح الأمريكي الشهير "إدموند كيمبر"، الذي وقف في خريف عام 1973 متهماً باختطاف وقتل عشرة أشخاص (بينهم طالبات جامعيات) في سلسلة جرائم مروعة هزّت المجتمع، وبلغت ذروة سرياليتها حين أنهى حياة أمه بدم بارد تنفيذاً لثأرٍ قديمٍ مع طفولته المدمَّرة.

والمفارقة الصادمة هنا، أن الجاني كان يمتلك ذكاءً عبقرياً حاداً بمعدل 145 درجة، مما يضعه في مصاف العباقرة، ومع ذلك وقف يوماً أمام المحققين وعدسات القنوات التلفزيونية، لا ليدافع عن فظائعه التي ارتكبها، بل ليمزق القناع عن المنبع الأول لشروره. وفي مواجهةٍ وثائقية شهيرة، تجمعت الدموع الحبيسة في عيني ذلك الرجل الضخم وهو يعود بذاكرته إلى سنين طفولته الأولى، قائلاً بنبرة تقطر أسى:

​"لم أكن ولداً شريرًا في البداية، لكنني نشأت داخل الجحيم. أتذكر أصوات الصراخ المتكرر والشتائم المتبادلة بين أبي وأمي؛ ذلك الشقاق الصاخب الذي كان يزلزل أركان البيت يومياً قبل انفصالهما. لقد دمرت أمي رجولة أبي أمام عيني، ثم صبت جام غضبها وعقدها النفسية عليّ بعد طلاقهما، وعاملتني كمسخٍ حتى آمنت أنني مسخ. كنت طفلاً مكسوراً يبحث عن الأمان في غابة من الكراهية الأسرية، وما فعلته لاحقاً في مجتمعي لم يكن إلا انعكاساً مشوهاً للعدوانية التي تشربتها داخل بيتنا المأزوم. لقد قتلوا إنسانيتي في مهدها، فقتلتُ أمانهم".

​ومما لا شك فيه أن هذه الصرخة المتأخرة وراء القضبان، تلخص كيف يتحول الطفل من شاهدٍ عاجز على النزاع الأسري إلى منتقمٍ شرس من المجتمع؛ فالطفل الذي لا يرى في محيطه الصغير إلا العنف والعداء، يفقد بالتدريج قدرته على التعاطف البشري، وتتشوه لديه غريزة البقاء لتتحول إلى غريزة فتك.

​إن نقل هذه الصورة الصادمة من قاع السجلات الجنائية الغربية إلى واقعنا المعاصر، ليس مجرد سردٍ لقصص الإجرام، بل هو جرس إنذارٍ صاخب يدعونا لإعمال العقل والحكمة داخل الأسرة المصرية والعربية. إن العناد الأعمى بين الزوجين، وتحويل البيوت إلى ساحات حرب لتصفية الحسابات الشخصية سواء داخل عش الزوجية أو بعد وقوع الطلاق، ليس شأناً عائلياً ينتهي بتوقيع أوراق التسوية، بل هو عملية "تخريب ممنهج" لعقول صغارنا؛ وعلينا أن ندرك جيداً بأن أطفال اليوم الذين نزرع في نفوسهم شروخ الخوف والعدوان، قد لا يبكون غداً بين جدران المدارس كما كانوا، بل ربما نقف نحن، أو المجتمع بأسره، لنتباكى على ضحاياهم في ردهات المحاكم. فخلقُ بيئةٍ زوجية سوية تظلُ مهمةً مقدسةً لدى طرفي الارتباط، وحتى عند اتخاذ قرار الانفصال؛ فإن الإحسان ليس ترفاً أخلاقياً، بل هو حبلُ النجاة الأخير لحماية مستقبل أمة بأكملها من وحوشٍ نصنعها بأيدينا.