في الذكرى الثالثة عشرة لثورة الثلاثين من يونيو أتقدم بخالص التهنئة إلى الشعب المصري العظيم الذي سطر في ذلك اليوم صفحة خالدة في تاريخ الوطن عندما خرج بالملايين في مشهد وطني غير مسبوق معلنا أن إرادة الشعوب أقوى من كل محاولات اختطاف الدولة أو العبث بمستقبلها
لقد كانت ثورة 30 يونيو لحظة فارقة في تاريخ مصر الحديث فلم تكن مجرد احتجاج سياسي أو حراك شعبي عابر بل كانت انتفاضة وطنية شارك فيها المصريون داخل الوطن وخارجه دفاعا عن هوية الدولة المصرية ومستقبلها مؤكدين أن مصر أكبر من أي جماعة وأقوى من أي مشروع يستهدف مؤسساتها أو وحدتها الوطنية
وما يميز ثورة 30 يونيو أنها لم تكن ثورة حزب ولا زعيم ولا تيار سياسي بل كانت ثورة شعب بكل ما تحمله الكلمة من معنى توحد فيها المصريون على اختلاف انتماءاتهم وواجهوا حملات الترهيب والتهديد والعنف بإرادة صلبة ليكتبوا نهاية مرحلة اتسمت بالانقسام والاضطراب ويفتحوا الباب أمام بناء الجمهورية الجديدة.
ولم تكن الثورة تستهدف إسقاط حكم جماعة بعينها فحسب بل كانت بداية مشروع وطني لإعادة بناء الدولة المصرية الحديثة وترسيخ مؤسساتها وتعزيز أمنها القومي واستعادة ثقة المواطن في دولته وقد أثبتت السنوات الماضية أن البناء أصعب كثيرًا من الهدم وأن الحفاظ على الوطن يحتاج إلى صبر وتكاتف ووعي دائم
ولأن لكل ثورة أعداءها فقد استمرت محاولات استهداف الدولة المصرية عبر حملات الشائعات والحروب النفسية ومحاولات التشكيك في كل إنجاز إلا أن وعي الشعب المصري كان ولا يزال السد المنيع أمام تلك المخططات مصداقا لقوله تعالى: ﴿فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا ۚ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
إن مصر واجهت خلال السنوات الماضية تحديات جساما وأزمات إقليمية ودولية غير مسبوقة لكنها ظلت صامدة بفضل تماسك مؤسساتها ووعي شعبها وقدرتها على مواجهة كل من يحاول النيل من أمنها واستقرارها ومن يظن أن عقارب الساعة يمكن أن تعود إلى الوراء أو أن الفوضى يمكن أن تتكرر فهو واهم فقد تجاوزت مصر تلك المرحلة بإرادة شعبها ولن تسمح بتكرارها مرة أخرى.
وفي هذه المناسبة الوطنية أوجه رسالة إلى أبناء الشعب المصري: حافظوا على وحدتكم وتمسكوا بوعيكم ولا تنساقوا وراء الشائعات التي تستهدف بث الإحباط وزعزعة الثقة في الدولة فالحروب الحديثة لم تعد تقتصر على السلاح بل أصبحت الكلمة والشائعة وسيلتين لهدم الأوطان من الداخل.
كما نستحضر في هذه الذكرى أرواح شهدائنا الأبرار من أبناء القوات المسلحة والشرطة والمدنيين الذين قدموا أرواحهم دفاعا عن الوطن لتبقى مصر امنة مستقرة فلهم منا الدعاء وقراءة الفاتحة ولأسرهم كل التقدير والعرفان.
ولأن الأوطان لا تبنى إلا بسواعد أبنائها المخلصين فإن التحية في ذكرى الثلاثين من يونيو لا تقتصر على من تصدروا المشهد بل تمتد أيضا إلى رجال الظل والجنود المجهولين الذين عملوا بإخلاص في صمت مؤمنين بأن خدمة الوطن شرف لا يحتاج إلى أضواء أو تصفيق أولئك الذين بذلوا الوقت والجهد وسهروا على إنجاح كل مهمة وكان همهم الأول أن تخرج مصر دائما في أبهى صورة قد لا تكون أسماؤهم معروفة للجميع وربما لم يظهروا في الصور أو أمام عدسات الكاميرات لكن بصماتهم كانت ولا تزال حاضرة في كل نجاح تحقق وفي كل خطوة خطتها الدولة نحو الاستقرار والبناء فتحية تقدير واعتزاز لكل جندي مجهول امن بوطنه وأخلص في خدمته وجعل مصلحة مصر فوق كل اعتبار.
وأخيرا فإن الحفاظ على الوطن مسؤولية مشتركة تتطلب استمرار الاصطفاف الوطني ودعم مؤسسات الدولة في مواجهة كل ما يهدد أمنها القومي والاقتصادي والمائي وستظل مصر بإذن الله عصية على كل المؤامرات قوية بشعبها وجيشها وشرطتها ومؤسساتها الوطنية.
حفظ الله مصر وأدام عليها نعمة الأمن والاستقرار وجعل ذكرى الثلاثين من يونيو دائما رمزا لإرادة شعب لا يقبل إلا بوطن حر وآمن ومستقر.
محمود عشيش يكتب: ذكرى 30 يونيو.. حكاية وطن وإرادة شعب