قناة صدى البلد البلد سبورت صدى البلد جامعات صدى البلد عقارات Sada Elbalad english
english EN
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل

أحمد نجم يكتب: قمة أنقرة.. اختبار للناتو لتقرير المصير

أحمد نجم
أحمد نجم

يحمل انعقاد قمة دول حلف الناتو غدًا الثلاثاء 7 يوليو، والذي يستمر حتى بعد غد الأربعاء في تركيا، ملفًا في غاية الأهمية، وهو إمكانية استمرار وجود الحلف من عدمه، في الوقت الذي هدد فيه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالانسحاب من الحلف لوجود خلافات كثيرة بين أمريكا وأوروبا.

وكان ترامب قد أعلن رفضه حضور اجتماع قمة الناتو غدًا، وجاء اتصال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان به وإصراره على حضوره، ليوافق على الحضور مستجيبًا لطلب الرئيس التركي.

وتنعقد قمة دول حلف شمال الأطلسي تحت شعار «الوحدة»، لكن في الواقع تظهر الخلافات التي من الممكن أن تهدد وجود الحلف، فقادة الحلف سيجلسون على طاولة واحدة، لكن كلًا منهم يحمل أجندة مختلفة تهم مصلحة شعبه.

لكن أهم الخلافات هو ما أعلنه ترامب بضرورة قيام كل دولة برفع التمويل الدفاعي للحلف بنسبة 5% من الناتج المحلي لها، بدلًا من النسبة الحالية وهي 2%، وهو ما ترفضه باقي الدول التي تمهد لأن يكون التمويل بنسبة 3.5% حتى عام 2030، ليرتفع إلى 5% بعد ذلك، لأن ذلك يصب في صالح شركات الأسلحة الأمريكية، ولا تريد دول الحلف تحميل شعوبها نتاج اقتطاع نسبة من التمويل الاقتصادي لدعم الناتو.

وأوروبا منهكة اقتصاديًا نتيجة دعمها لأوكرانيا، وتحاول جعل النسبة 3.5% حتى عام 2030، وتقف أوكرانيا في المنتصف مترقبة، بينما تراقب روسيا والصين الموقف وما يدور في القمة، إذ إنها قمة تقرير المصير بعد تهديد ترامب بالانسحاب، ولو حدث ذلك سيكون هدية رائعة للصين وروسيا.

وتأسس حلف الناتو في واشنطن يوم 4 أبريل عام 1949، عقب الحرب العالمية الثانية، بهدف مواجهة التوسع العسكري الروسي، وحماية الدول الأوروبية من أي اعتداء، وحق الدفاع الجماعي ضد أي دولة، ويتكون الحلف من 32 دولة، ويقع مقره الرئيسي في بروكسل عاصمة بلجيكا.

وكلمة «الناتو» هي اختصار لمنظمة معاهدة شمال الأطلسي:
North Atlantic Treaty Organization = NATO
ولأن كل الدول الأعضاء تطل على المحيط الأطلسي أو تقع بالقرب منه.

وتحمل قمة أنقرة على طاولتها ملفات كثيرة، أهمها ملف الحرب الأمريكية الإيرانية، وأزمة مضيق هرمز، وتيسير حركة مرور سفن الإمدادات النفطية لدول العالم لتخفيف المعاناة على شعوبها، وهو ملف يحمل نقاط توتر بين أمريكا ودول الحلف.

وكان ترامب قد انتقد سياسة أوروبا في عدم مساندته ضد إيران، وقال إن أمريكا تنفق أموالًا للدفاع عن أوروبا، دون أن تقدم أوروبا أي سند أو دعم ضد إيران.

ومن الملفات المهمة أيضًا على طاولة اجتماعات قادة القمة زيادة الإنفاق العسكري في رسالة لروسيا، وكذلك استمرار دعم أوكرانيا في حربها ضد روسيا، وبرغم أن تركيا لها علاقات قوية مع إيران وروسيا، فإنها تستضيف قمة ضد النفوذ الروسي في المنطقة، فتركيا تريد مصلحتها أيضًا.

وتريد أوروبا من ترامب أن يركز ضد النفوذ الروسي وليس ضد إيران، في الوقت الذي تمت فيه دعوة الرئيس الأوكراني فلاديمير زيلينسكي لتناول العشاء مع الرئيس التركي أثناء انعقاد القمة.

وأعتقد أنه سيتم التأكيد معه على دعم الناتو لأوكرانيا في حربها ضد روسيا، مع تعهد باستمرار تمويلها بالسلاح، وهو ما قام به ترامب منذ أيام بدعم أوكرانيا بصواريخ ومنصات دفاعية حديثة، فوجود زيلينسكي في القمة رسالة للصين وروسيا.

ومن المتوقع في القمة أن تضغط أمريكا على الحلف لرفع سقف التمويل العسكري، فترامب يهدد فقط بالانسحاب، لكنه لن يفعل، لأن الناتو هو أمريكا، والعكس.

فالقيادة والنووي أمريكي بالأساس، ولو انسحبت أمريكا من الحلف سينتهي دوره، وسيتم تشكيل حلف أوروبي جديد، وهو الاقتراح الذي تتبناه فرنسا وألمانيا فيما يسمى بالاستقلال الاستراتيجي الأوروبي.

لكن من الصعوبة تحقيق ذلك، لأن استقلال أوروبا يحتاج منها مضاعفة ميزانيات الدفاع من 300 مليار دولار إلى 900 مليار دولار، كما أنه ليس لديها قاذفات استراتيجية، ولا أقمار تجسس حديثة، ولا دفاعات جوية مثل «الباتريوت» الأمريكي، فمن الصعوبة أن تنسحب أوروبا أو تنسحب أمريكا، فكلاهما في علاقة زواج كاثوليكي.

وعلى جانب آخر، تقف روسيا في موقف المترصد لبيان قمة الحلف، وبالتأكيد سترفضه، مع إمكانية التصعيد الإعلامي، وسوف تتهم القمة بأنها عدوانية، وقد تقوم بعمل استفزازي آخر، وهو إجراء مناورات عسكرية بالقرب من أي دولة من دول الحلف، لتأكيد القدرات العسكرية الروسية، ولإرسال رسالة لدول الحلف، وخاصة أمريكا، بأن روسيا لا تزال وستبقى قوية، ومن الممكن أن تشاركها الصين لبيان قوة التحالف الروسي الصيني.

وتترقب الصين أيضًا بيان القمة، في الوقت الذي دعا فيه الأمين العام للحلف، مارك روته، وزراء دفاع كل من اليابان وكوريا الجنوبية وأستراليا ونيوزيلندا لحضور فعاليات القمة، بهدف التأكيد على أن أمن دول الأوروأطلسي والهند والباسفيك لا ينفصل.

وبالتأكيد سوف يأتي الرد الصيني بأن الحلف خرج عن حدود أوروبا ليحاصرها من الشرق، وستنتقد الصين تلك الحرب الباردة، بينما تزيد من فعالياتها بالتقارب الروسي والإيراني لمواجهة تحدي حلف الناتو وفرض نظام قائم على القوة بدلًا من القانون الدولي.

ووسط تلك المخاطر، يتخذ ترامب من تهديده بالانسحاب فرصة للضغط على دول الحلف، فهو يقوم بذلك منذ عام 2018 لإجبار دول الحلف على زيادة الدعم المالي العسكري للحلف، وهو ما سوف تستفيد منه شركات الأسلحة الأمريكية.

فصعوبة تنفيذ قرار ترامب بالانسحاب تأتي من وجود قانون للكونجرس الأمريكي بضرورة موافقته على القرار، في الوقت الذي يكون فيه انسحاب أمريكا هدية سمينة للصين وروسيا، بخلاف أنه يؤدي إلى فقدان أمريكا هيبتها في أوروبا.

وتنفق أمريكا حوالي 70% من إجمالي إنفاق الناتو الدفاعي، بينما تتولى الـ31 دولة الأخرى باقي النسبة، فالقدرات الدفاعية أمريكية، والنووي رادع لروسيا.

لذلك، فإن أي قرار للناتو لا بد من موافقة أمريكا عليه، وهو ما يجعل روسيا تفكر كثيرًا قبل أن تقوم بالاعتداء على أي دولة أوروبية، لذلك تحتاج أمريكا إلى أوروبا من أجل الأمن، وتحتاج أوروبا إلى أمريكا من أجل النفوذ، وهي معادلة رخيصة تغلفها المصلحة الذاتية.

لذلك من الممكن أن يشمل بيان القمة زيادة الإنفاق الدفاعي، والتأكيد على دعم أوكرانيا ضد روسيا، والملف الأخطر هو توسيع نطاق دور الحلف ليشمل الهند والباسفيك، وتأكد ذلك بدعوة وزراء دفاع اليابان وكوريا الجنوبية وأستراليا ونيوزيلندا لحضور فعاليات القمة، في رسالة إلى الصين وروسيا بأن أمن أوروبا وآسيا واحد.

وكذلك أيضًا توسيع نطاقات منتدى الصناعات العسكرية مع زيادة الإنفاق لعقد صفقات سلاح، وفي هذا يريد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان رفع القيود عن تجارة السلاح مع دول الحلف، ليؤكد أن تركيا ركيزة أساسية في الصناعات العسكرية لإنعاش شركات الأسلحة لديه.

وتعد قمة أنقرة محك اختبار لبيان قدرة أوروبا على تحمل مسؤوليتها أمام شعوبها، والتصدي لقرارات ترامب، الذي يقترح أن تُحرم الدول التي ترفض زيادة التمويل الدفاعي من التصويت على قرارات القمة، ويكون حضورها هامشيًا فقط.

كما أنها اختبار لقدرة ترامب على الصبر على الحلف، والأهم إظهار وحدة حلف الناتو أمام التحالفات الروسية الصينية الجديدة.

وفي النهاية، هي قمة مصالح، فأمريكا تحتاج إلى أوروبا لمواجهة الصين، بينما تحتاج أوروبا إلى أمريكا لمواجهة روسيا، والصين وروسيا تغذيان الصراع داخل الحلف.

صراعات تتحملها الدول الفقيرة، وتجني ثمارها الدول الكبرى.