لم تكن الأحكام القضائية الصارمة الصادرة بحبس 450 متهماً بالتنقيب غير المشروع عن الذهب في مجاهل الصحراء الشرقية وجنوب البحر الأحمر، مجرد واجهة لإجراء قانوني عابر، بل هي في جوهرها إعلان حاسم عن تدشين مرحلة جديدة من "معركة السيادة وبسط النفوذ" على مقدرات الدولة المصرية. إنها مواجهة مفتوحة لحماية عصب الاقتصاد القومي من مظاهر السلب والنهب العشوائي، ومكافحة نمو بؤر عشوائية غريبة عن النسيج الوطني، بدأت تتحول بمرور الوقت إلى كانتونات مسلحة تهدد الأمن المجتمعي والحدودي على حد سواء.
التمدد العشوائي: قراءة في الأبعاد والتحولات الجيوسياسية
إن ظاهرة "الدهّابة" أو التنقيب العشوائي في صحاري مصر الشرقية ليست نبتة شيطانية وليدة اللحظة، لكنها استفحلت في الآونة الأخيرة نتيجة التغيرات الجيوسياسية والاضطرابات الإقليمية المحيطة، وعلى رأسها الأزمة السودانية المستعرة. فقد أدى النزوح من شمال السودان إلى تدفق مجموعات من المنقبين الحرفيين الذين يمتلكون أدوات وخبرات تراكمت عبر سنوات من العمل غير المنظم في بلدانهم.
هذا التدفق أحدث تحولاً نوعياً في طبيعة الظاهرة؛ إذ تحولت من محاولات فردية بدائية لأبناء القبائل، إلى شبكات ومنظمات تستخدم معدات دفع رباعي متطورة، وأجهزة كشف عن المعادن حديثة، بل وأسلحة نارية لحسم النزاعات على "عروق الذهب"، وهو ما تجسد بشكل دامي في اشتباكات محافظة البحر الأحمر ومواجهات أسوان المسلحة. إن هذا المنحنى الخطير يثبت أن التهاون في ملف التنقيب العشوائي لا يعني هدر الثروات المعدنية فحسب، بل يعني بالضرورة السماح بنمو "بيئة حاضنة للجريمة المنظمة" والاتجار بالسلاح والمخدرات في مناطق نائية وعرة.
الهدر الجيولوجي والاستثماري: تدمير المستقبل
من الناحية الاقتصادية، تكمن خطورة التنقيب العشوائي في كونه يمثل "إفساداً متعمداً" للثروات الطبيعية. فالمنقّب العشوائي يبحث عن الربح السريع عبر اقتناص الذهب الظاهري عالي التركيز، وفي سبيل ذلك يقوم بتدمير "فوهات المناجم" وإتلاف التراكيب الجيولوجية المحيطة، وتشتيت المعادن المصاحبة التي لا يملك التكنولوجيا اللازمة لاستخلاصها.
هذا التدمير الممنهج يصيب الاستثمارات الوطنية والأجنبية في مقتل؛ إذ يعيق الشركات الكبرى الحاصلة على امتيازات رسمية، مثل تلك العاملة تحت مظلة شركة "شلاتين للثروة المعدنية"، عن تنفيذ خططها الإستراتيجية. وتلك مفارقة عجيبة، ففي الوقت الذي تستهدف فيه الدولة رفع توريداتها للبنك المركزي لتصل إلى 1.5 طن ذهب بنهاية العام الجاري، والوصول إلى 6 أطنان سنوياً بحلول عام 2030 لتعزيز الاحتياطي النقدي وحماية العملة الوطنية، يأتي هذا التنقيب غير المشروع ليقوض هذه الجهود ويحرم الخزانة العامة من عوائد مليارية هي حق أصيل لكل مواطن مصري.
الاستدلال الديني: ثروات الأمة والمسؤولية الشرعية
وإذا ما تفحصنا هذه المسألة بميزان الشريعة الإسلامية الغراء، نجد أن الفقه الإسلامي قد حسم بشكل قاطع ملكية ثروات باطن الأرض وجعلها في مقام "المال العام" الذي لا يجوز للأفراد الاستئثار به أو الاستيلاء عليه دون إذن ولي الأمر. وفي هذا الباب، يستند الفقه إلى قواعد أصولية راسخة:
حرمة الموارد العامة (الركاز والمناجم): إن المعادن الكامنة في باطن الأرض، والتي يعتمد عليها قوام الاقتصاد وحياة الناس، تندرج في الفقه الإسلامي تحت حكم الموارد التي تختص الدولة بتنظيمها وتوزيع ريعها على مصالح المسلمين كافة؛ تحقيقاً لعدالة التوزيع ومنعاً لاحتكار المال في أيدي فئة قليلة، مصداقاً لقوله تعالى: {كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنكُمْ}.
قاعدة "لا ضرر ولا ضرار": إن ما يقوم به هؤلاء المنقبون من تخريب للبيئة الجيولوجية وهدر للمعادن المصاحبة يقع تماماً تحت طائلة الإفساد وإيقاع الضرر العمدي بمصالح الأمة. والإسلام قد حرم كل فعل يؤدي إلى إلحاق الضرر ببلاد المسلمين وأموالهم.
وجوب طاعة القانون تنظيماً للمصلحة: إن القوانين التي تشرعها الدولة لتنظيم قطاع التعدين، وفرض العقوبات والغرامات على المخالفين، هي من قبيل "المصالح المرسلة" التي يجب على الكافة الانصياع لها. فطاعة ولي الأمر في هذه التشاهدات واجبة شرعاً؛ لأنها تصون الدماء، وتحفظ الأموال، وتمنع الفوضى والتنازع في الأرض.
خاتمة: التنظيم هو طوق النجاة
إن الملاحقة الأمنية الحاسمة والأحكام القضائية الرادعة هي السلاح الأول لقطع دابر هذه الظاهرة، لكنها تحتاج إلى ذراع موازية تتمثل في تقنين أوضاع الراغبين في العمل وتوسيع مظلة شركة "شلاتين" لاستيعاب العمالة المحلية ضمن أطر قانونية وبيئية آمنة. إن حماية الذهب المصري ليست مجرد حماية لمعدن نفيس، بل هي صيانة لسيادة الدولة، ودعم لاحتياطياتها الإستراتيجية، وامتثال لأمانة الاستخلاف في الأرض التي تفرض علينا حفظ مقدرات الوطن للأجيال القادمة.
ياسر إبراهيم عبيدو يكتب: معركة الذهب في الصحراء الشرقية.. بين سيادة القانون وحفظ قوت الأمة