تعد ثقافة الوعي السياسي دعامة حيوية في بناء المجتمعات المستقرة؛ فهي تشمل الإدراك الشامل للمجريات والأحداث الجارية محليًا ودوليًا بشكل متكامل، مع تفعيل القدرة على فهم واستقراء غايات النظام السياسي ومدى اتساقها مع نصوص الدستور، ناهيك عن أن هذه الثقافة ترتبط بمعرفة وفقه الحقوق السياسية والالتزام بها مقابل أداء الواجبات الوطنية تجاه الدولة والمجتمع، مما يمنح المواطن رؤية واضحة لإدراك محيطه والتفاعل معه بمسؤولية وطنية راسخة.
يتطلب تعزيز الوعي السياسي الفهم الاستراتيجي للتحديات، واستيعاب القرارات السياسية الصادرة لتحقيق مصالح الدولة العليا، وفهم طبيعة التحديات التي تواجه الوطن والعالم بأسره، وينعكس ذلك عبر المشاركة الإيجابية المشروعة وممارسة المواطن لدوره السياسي بفاعلية في القنوات الشرعية سواءً بالتصويت، أو التمثيل الانتخابي، أو التعبير عن الرأي بالمنابر القانونية، مستندًا إلى امتلاك البنية القيمية، والتمسك بنسق قيمي أصيل، يترجم معاني الولاء والانتماء والإخلاص والتضحية والتعايش واحترام الرأي الآخر.
تشكل ثقافة الوعي السياسي أداة البناء والتحصين الأولى للشعوب، كونها دليلًا رئيسًا على مستويات النضج الاجتماعي للشعوب، ومؤشرًا قويمًا على توافر الحالة الديمقراطية الحقيقية، وفي مراحل تطورها بالدولة، وثمة علاقة ارتباطية وثيقة بين هذه الثقافة ومستويات الوعي والنهضة الشاملة؛ فكلما ارتفع وعي المجتمع تضاعفت جهود العمل والتنمية المستدامة؛ نتيجة شعور الفرد بأنه شريك أصيل في بناء وطنه، مما يسهم في خلق بيئة وطنية متماسكة قادرة على مواجهة المتغيرات بثبات.
يحمي الوعي الصحيح المواطن من الوقوع فريسة للكتائب الإلكترونية والأبواق المأجورة، التي تنتهج سياسات التهويل والتضخيم، وحذف سياق الحقائق؛ لبث الإحباط وتفتيت نسيج الأمة وزعزعة الاستقرار، مشكلًا حائط صد ضد حروب التزييف والشائعات، ويسهم هذا المسار في صناعة عقول ناقدة متزنة، تُمكّن المواطن من معالجة القضايا بتفكير رشيد وموضوعية تامة، ممتلكًا القدرة على النقد البناء الرامي للتطوير والإصلاح، بعيدًا عن السلبية والسخط غير المبرر، تحقيقًا للاستقرار المجتمعي المستدام.
يتطلب الانتقال بالوعي السياسي إلى ثقافة مستدامة تتوارثها الأجيال تضافر جهود عدة مؤسسات رئيسة بالدولة وفق آليات ممنهجة؛ إذ تعنى المؤسسة التعليمية في خضم مناهجها الدراسية بتضمين المفاهيم السياسية عبر إدراج أهداف وأنشطة وطرق تدريس وأساليب تقويم، تعمل على تنمية هذا الوعي بصورة مقصودة منظمة ومنتظمة عبر المراحل التعليمية المختلفة، مع إعمال مهارات التفكير العليا؛ لتغدو وسيلة لتدريب المتعلمين على مهارات التحليل والاستنباط والنقد وتقديم الحجج والبراهين، مما يعزز مساحة التواصل الفعال، وترسيخ ممارسات الحوار المنضبط أسسًا للحرية المسؤولة تعبيرًا حقيقيًا عن ماهية الانتماء.
يستكمل ما أشرنا إليه بآليةِ قيادةِ التنوير الإعلامي والمنابر الرقمية؛ فهذا المسار يفعم فلسفة تحقيق الاستدامة في التوعية، من خلال تبني سياسة إعلامية ترتكز على التنمية السياسية الممنهجة المستمرة، التي تؤثر في السلوك المعرفي للمواطن، مع تدعيم التحليل الموضوعي والمصداقية؛ بإسناد تناول القضايا إلى قامات فكرية متخصصة، تقدم تحليلات مستفيضة تتسم بالحياد، مما يسهم في دحض الشائعات على الفور، ونشر الحقائق وتفنيد الأكاذيب الرقمية ببيانات صحيحة تدعم المجتمع وطنيًّا وعالميًّا تجاه قيم الفكر المسؤول والمستنير.
تعنى المؤسسات المجتمعية والكيانات السياسية بضرورة تعزيز التضافر المجتمعي والظهير الشعبي، من خلال إدارة نقاشات بناءة، توضح التحديات التي تمر بها البلاد، وتحفز الجموع للانخراط في الكيانات الرسمية؛ من أجل مساندة توجهات الدولة، مع تفعيل قنوات المشاركة الشرعية لحث المواطنين على استقاء المعلومات من مصادرها الرسمية، وتشجيعهم على الانضمام للأحزاب والمنظمات السياسية، التي تتيح أدوارًا قيادية ومشاركة حقيقية في العمل العام؛ بغية استثمار النماذج الوطنية المتميزة كما حدث في الحوار الوطني؛ لتنظيم الإطار السياسي وصناعة التوصيات الديمقراطية الناضجة.
يستوجب تفكيك التهديد وتنمية فكر واع، فقه آليات صناعة الجهل والامتعاض؛ بهدف التحصين ضد آليات نفسية ومعرفية خبيثة، تعتمدها الجماعات المأجورة والمنظمات الضالة؛ إذ ترتكز منهجية الإدراك المنقوص، أو الحذف الانتقائي على تزييف وعي الجماهير عبر اقتطاع أجزاء من بيانات الدولة الرسمية، أو حذف سياق المشاهد والإنجازات لإضعاف الصورة الكاملة، متكاملة مع تكتيك التكرار؛ لتثبيت العوار واستغلال سياسة العرض المتكرر للمشكلات وتضخيمها؛ بهدف خلق حالة من الاحتقان والسخط والضجر، وتكتمل هذه المنظومة بالاستعانة بالخبراء المأجورين؛ لإبراز آراء لمتخصصين يمررون المغالطات، واضعين المتلقي في حالة تشتت وترقب مستمر وثابت هدمًا للاستقرار الوطني.
يكشف الوصف الدقيق لخطورة إحجام المواطن عن الفهم الأبعاد السيكولوجية للأميِّ سياسيًا وأثرها المباشر في إعاقة مسيرة التنمية؛ حيث تتجاوز الأمية السياسية مجرد الجهل بالمعلومة؛ لتصبح قصدًا متعمدًا في الجهالة، ونزوعًا دائمًا نحو المصلحة الآنية الضيقة، الأمر الذي يدفع فاقد الوعي إلى توجيه نقد ساخط وإلقاء تبعات التحديات والأزمات كافة على عاتق الدولة ومؤسساتها، دون بذل أدنى جهد لاستيعاب أبعاد القرارات السياسية، أو تقدير جدواها ومصالحها العليا، مما يشكل في النهاية بيئة خصبة لنمو الإرهاب الفكري؛ نتيجة غياب الثقافة السياسية، والنسق القيمي الضامن لقيم الشرف والولاء والشرعية، ويمهد الطريق لانحراف الأفكار وولادة التطرف بمختلف تنوعاته هتكًا لنسيج الأمة وترابطها.
يرسم البروفايل المعياري للشاب المثقف سياسيًّا ملامح الخصائص السلوكية والنفسية الكفيلة بضمان استدامة الوعي؛ فيتمايز هذا الشاب بالثبات الانفعالي والذكاء الحواري نتيجة تبوؤ قيم التسامح والتقدير واحترام الآخر قمة نسقه المعرفي، مما يعصمه من تشويه المخالف أو الحجر على رأيه ويدفعه إلى الاستماع الواعي دون تنمر، بالتوازي مع تفعيل قيم المواطنة العالمية المنضبطة بالانفتاح والتعايش وإدارة الحوارات الدولية التي تدحض الانعزالية، فضلاً عن اكتساب مهارات التفاوض والإقناع والتخطيط والاستشراف المستقبلي، الأمر الذي يقوده إلى الانتقال من وضعية التقوقع إلى ممارسة القيادة، والخروج من عزلته الاجتماعية نحو أدوار ريادية تعزز التضافر المجتمعي إيمانًا بأن العمل السياسي المخلص هو السبيل الأسمى لتلبية تطلعات الوطن وغاياته.
تستوجب خارطة الطريق الإجرائية لتحقيق الاستدامة الانتقال الفعلي إلى صناعة الوعي الإيجابي التشاركي عبر تحفيز الأذهان بالفكرة الرئيسة وإعمال العقل حول جدوى العمل السياسي ومردوده المباشر على الاستقرار، فضلاً عن تأهيل العامة لاستيعاب أدق التفاصيل وأعمقها من خلال تحري المصداقية والاستفاضة الموضوعية في العرض، مع ضرورة تطهير الخطاب العام من المنازلات والصراعات التنافسية الضيقة والحسابات الشخصية، التي تسبب تشتتًا معرفيًّا وسلوكيًّا لجمهور المتلقين، بالتوازي مع تحفيز الانخراط المثمر في القنوات الشرعية كالأحزاب والمنتديات لتوجيه الطاقات الشبابية نحو المشاركة الفعالة في الحملات الانتخابية وحضور المؤتمرات والملتقيات ذات الطابع السياسي، وصولاً إلى صياغة ظهير شعبي واعٍ ومستقر يخدم تطلعات المجتمع.
د. عصام محمد عبد القادر يكتب: ثقافة الوعي السياسي