في عالم تتشابك فيه التهديدات السيبرانية مع الحروب التقليدية وتتحرك الأزمات الجيوسياسية بسرعة تتجاوز الحدود .
تأتي مصر بحدث استثنائي يعلن رسمياً عن ميلاد ميزان قوة جديد في المنطقة بافتتاح الرئيس عبد الفتاح السيسي لمقر القيادة الاستراتيجية للدولة .
المعروف عالمياً ومحلياً باسم "الأوكتاجون" (The Octagon) تعلن مصر عن تدشين عن امتلاكها "العقل الرقمي والدفاعي" الأضخم عالمياً، والذي صمم ليضمن استدامة اتخاذ القرار وإدارة شؤون البلاد في أصعب الأزمات والظروف.
سر تمسية عقل الجمهورية الجديدة "الأوكتاجون" هو مشتق من مصطلح (Octagon) لغوياً الكلمة الإغريقية التي تعني "ثماني الأضلاع" ليسير على غرار التسمية الأمريكية لوزارة الدفاع "البنتاغون" (الخماسي).
لكن الفارق هنا ليس في عدد الأضلاع فقط ولكن في المضمون والعمق الدلالي ، إذ يتكون المجمع الضخم في قلب العاصمة الإدارية الجديدة من ثمانية مبانٍ خارجية ثنائية الأوجه متسقة المركز، يمثل كل منها فرعاً وإدارة رئيسية من أفرع القوات المسلحة المصرية والجهات السيادية.
لتتلاقى هذه المباني عبر ممرات طولية وأنفاق محصنة تحت الأرض لتصب في "مبنى القيادة المركزي" الذي يقع في قلب الكيان المعماري، والمستوحى بالكامل من الطراز والمطالع الفرعونية القديمة بالأعمدة الشاهقة ويحمل هذا التصميم الهندسي رمزيتين:
الرمزية العسكرية والسيادية: الترابط العضوي والسيبراني الكامل بين كافة مؤسسات الدولة وأفرع جيشها لتحقيق أعلى درجات التدفق المعرفي السريع.
والرمزية التاريخية: ربط حضارة مصر القديمة (بما تمثله من شموخ وبقاء) بمستقبل مصر الحديثة كمحور ارتكاز إقليمي لا يمكن تجاوزه.
وهنا أذكر بدور الرئيس عبد الفتاح السيسي في التأسيس والتمكين ل "الأوكتاجون" ليخرج إلى النور كأكبر مقر قيادة استراتيجية ودفاعية في العالم (بمساحة بناء إجمالية تقارب 4.7 مليون متر مربع ومحيط مؤمن يمتد على نحو 22 ألف فدان) لولا الإرادة السياسية الصلبة والرؤية الاستشرافية للرئيس عبد الفتاح السيسي.
وأرى منذ اللحظات الأولى لطرح المخططات العامة واجه المشروع تشكيكاً محلياً ودولياً حول جدوى نقل مراكز الحكم والدفاع إلى عمق الصحراء شرق القاهرة إلا أن الرئيس السيسي أدار هذا الملف بمنطق "تأمين الدولة لقرن قادم" متبنياً عقيدة مجابهة حروب الجيلين الرابع والخامس ومن خلال متابعته لخطوات التنفيذ وحرصه على أن يبنى المشروع بالكامل "بسواعد وعقول مصرية" نجح الرئيس في تحقيق معادلة صعبة:
* دمج الإدارة المدنية بالعسكرية: فلم يعد المقر مجرد وزارة دفاع تقليدية ولكن أصبح بفضل القيادة السياسية إلى مركز إدارة موحد للدولة يضم ستة مراكز حيوية فريدة (مركز البيانات الاستراتيجية الموحدة ، وتحكم الشبكة الاستراتيجية ، وإدارة المرافق الحكومية، والسيطرة على شبكة الاتصالات، زمركز الطوارئ والسلامة، ومركز التنبؤات الجوية).
* فرض الردع الاستراتيجي: ارتداء الرئيس السيسي للزي العسكري خلال مراسم الافتتاح لم يكن بروتوكولاً عابراً ولكن رسالة واضحة لكل من يهمه الأمر بأن مصر أرست بنية دفاعية رقمية وفعلية غير قابلة للاختراق أو التعطيل معززة بتقنيات الذكاء الاصطناعي (AI) وأنظمة الاتصالات من الجيلين الخامس والسادس.
ليصبح صمام الأمان الأهم استراتيجيا للحفاظ على مصر والشرق الأوسط لأن لـ "الأوكتاجون" يتجاوز الأثر الاستراتيجي لحدود مصر الجغرافية؛ فهو بمثابة إعادة ترسيم لخرائط القوة والنفوذ في منطقة الشرق الأوسط التي تموج بالاضطرابات المتلاحقة .
وأرى بالنسبة للحفاظ على الدولة المصرية يؤمن هذا الصرح العظيم آلية "استمرارية الدولة" (State Continuity) ففي سيناريوهات الأزمات الكبرى أو الهجمات السيبرانية الموسعة، أو الكوارث الطبيعية، يتيح الأوكتاجون لمتخذ القرار إدارة كل شبر في محافظات مصر وعبر كافة الوزارات والقطاعات الحيوية من غرف عمليات موحدة ومؤمنة تحت الأرض ليصبح الحصن الرادع الذي يحمي مقدرات الاقتصاد والتنمية، ويجعل من الدولة كلاً لا يتجزأ، و لا يمكن شل حركتها أو عزل مفاصلها الإدارية عن بعضها.
أما بالنسبة لأهميتة في استقرار الشرق الأوسط لتصبح مصر كحجر زاوية للاستقرار الإقليمي وأي اختلال في أمنها يعني ارتدادات كارثية على البحر الأحمر، والمتوسط، والخليج العربي، وشمال إفريقيا ومن هنا تأتي أهمية الأوكتاجون للمنطقة من خلال:
* سرعة رد الفعل والتدخل: بفضل أنظمة السيطرة والاتصالات الفضائية المرتبطة بالمقر، و باتت القدرة المصرية على رصد وتطويق التهديدات الإقليمية – سواء كانت تنظيمات إرهابية عابرة للحدود أو تهديدات لأمن الملاحة في قناة السويس – تتم في أجزاء من الثانية.
* مركز إقليمي لتبادل المعلومات ومكافحة الأزمات: يتيح المجمع، بفضل قدراته الاستيعابية والتكنولوجية الهائلة، إمكانية التنسيق المشترك والدعم اللوجستي والمعلوماتي للدول العربية الشقيقة والدول الحليفة في أوقات الكوارث بمرونة وسرعة لم تكن متاحة في المقرات التقليدية القديمة بوسط القاهرة المكتظة.
وأرى في النهاية بينما يراقب المجتمع الدولي بمزيج من الإعجاب والترقب حجم التطور الهائل في القدرات المصرية يثبت "الأوكتاجون" أن "الجمهورية الجديدة" لا تبنى بالشعارات ولكن بالبنى التحتية الذكية والردع التكنولوجي العسكري.
وقد ثبت للعالم أن رؤية الرئيس السيسي قد أصبحت في صياغة مفهوم جديد للأمن القومي ومفهوم لا يدافع عن الحدود فحسب بل يصنع من المعلومة والبيانات والتحكم الرقمي درعاً وسيفاً يحمي مصر أولا ويمنح الشرق الأوسط حزام أمانٍ في بيئة عالمية شديدة الاضطراب.
د. علي عبدالحكيم الطحاوي يكتب: كيف يعيد "الأوكتاجون" صياغة معادلة الأمن القومي لمصر والشرق الأوسط؟