في غمرة الأيام المشحونة بالمسؤوليات والارتباطات المتلاحقة، كان محركي الأساسي لقطع كل هذا الضجيج والذهاب إلى السينما هو ثقتي في قلم السيناريست 'أيمن وتار'؛ ذلك الكاتب الذي اعتدت أن أخرج من أعماله بضحكة.
وقبل قرار الذهاب، أعادني 'فلاش باك' سريع إلى مكالمة هاتفية خاطفة من صديقي المبدع محمود موسى، نائب رئيس تحرير جريدة الأهرام، عقب حضوره العرض الخاص؛ حيث باغتني قائلاً: «لازم تشوفي الفيلم ده.. هيعجبك جدًا». أجبته وسط زحام اليوم: «مش فاضية». فرد باختصار يحمل سحر السينما: «روحي اتبسطي».
وقد كان...
مرت أيام وراء أيام، حتى اختلست من اليوم وقتًا "للانبساط"، وذهبت إلى «صقر وكناريا» محمولة على ثقة في كاتب، وتوصية صديق، ورغبة صغيرة في أن تمنحني السينما ساعتين من المتعة.
بدأ فيلم «صقر وكناريا» كحكاية صيفية تأتي بألوانها الزاهية، ونغماتها المبهجة، على شكل بطل عاش عمره في الظل، يحمل لقب «صقر»، يؤدي العمليات الخطرة كمهنة يومية، ثم يجد نفسه أمام رغبة هادئة في بدء حياة أبسط. وفي الجهة الأخرى يقف «كناريا»، أو بلال، كاتب متعثر يحمل هوسًا بريئًا بعوالم الجواسيس والمخابرات والملفات السرية، ويتعامل مع الخيال كخريطة نجاة. ومن هذا اللقاء تولد المفارقة الأساسية.. رجل يعرف الخطر بجسده، ورجل يصنع الخطر بخياله.
هذه الثنائية هي قلب الفيلم الحقيقي. محمد إمام يدخل الحكاية بملامح البطل الجسور، صاحب الجسد المستعد للمطاردة والاشتباك، بينما يمنح شيكو العالم المحيط به حالة كوميدية محببة، لشخص عادي وجد نفسه فجأة داخل الفيلم الذي ظل يحلم بكتابته.
على مستوى القصة، يختار السيناريو طريقًا مألوفًا في سينما الأكشن الكوميدي... بطل محترف يريد بداية جديدة، رفيق يفتح أبواب الورطة، عصابات تطارد، وسر يحرك الجميع من مكان إلى آخر. الفيلم يراهن على طاقة الموقف أكثر من عمق الحبكة، كما يراهن على كيمياء البطلين أكثر من مفاجآت البناء الدرامي. لذلك تبدو المتعة هنا متعة هادئة، تعطيك مساحة للانفصال عن العالم في متابعة مواقف لطيفة.
يتعامل حسين المنباوي مع «صقر وكناريا» كفيلم جماهيري؛ لذلك يراهن في إدارته للمشهد على الحركة، وتبديل المساحات، وتوسيع الجغرافيا البصرية للحكاية كلما احتاج السرد إلى دفعة جديدة. يظهر ذلك في اختياراته للـ mise-en-scène، وفي توزيع الشخصيات داخل الكادر، وفي طريقة بناء مشاهد المطاردة وفق منطق بصري واضح يحافظ على علاقة المتفرج بالمكان واتجاه الحركة. وفي لحظات الأكشن تحديدًا، يميل الإخراج إلى تغطية المشهد بذكاء من خلال تنويع أحجام اللقطات وحركة الكاميرا، مع الحفاظ على الاستمرارية البصرية، حتى تبقى الحركة مقروءة للعين ومتصلة دراميًا بالشخصيات. هنا تبدو خبرة المنباوي في ضبط إيقاع الفيلم؛ فهو يمنح المطاردات طاقة وحيوية، ويترك للكوميديا مساحتها في رد الفعل والنظرة والتوقيت، فيصنع توازنًا مقبولًا بين فرجة الأكشن وخفة الموقف.
تأتي الصورة، بإدارة مدير التصوير عمر البدراوي، كعنصر أساسي في ضبط نبرة الفيلم بين الكوميديا والأكشن. يعتمد التكوين البصري على كادرات واضحة ومساحات مفتوحة تمنح الحركة قابلية للقراءة، مع استخدام محسوب للتباين الضوئي بين دفء المشاهد الخفيفة وحدة لحظات الخطر. ويظهر وعي واضح بالنبرة البصرية، يجعل التصوير قريبًا من الشخصيات، ومتناغمًا مع طبيعة فيلم يريد أن يبدو خفيفًا وممتعًا، حتى وهو يتحرك داخل مطاردات ومواقف خطرة.
أما الموسيقى التصويرية لماهر الملاخ، فتأتي كجزء من ضبط إيقاع الفيلم ومزاجه العام. في مشاهد الحركة، تدفع الـ score المطاردات إلى الأمام وتساند المونتاج وحركة الكاميرا، بينما تترك في اللحظات الكوميدية مساحة واضحة للتوقيت الكوميدي، تظهر في النظرة، والوقفة، والجملة، وكذلك في رد الفعل. هكذا تصبح الموسيقى شريكًا في الانتقال بين التوتر، والإفيه.
على مستوى الأداء، يتحرك محمد إمام داخل منطق النجم القادر على الجمع بين الجسد الحركي وخفة الظل؛ فحضوره مبني على صورة يعرفها جمهوره جيدًا؛ بطل يدخل الفوضى بثقة، يشتبك وينجو، ويترك للابتسامة مساحة وسط الخطر. في المقابل، يمنح شيكو شخصية «كناريا» طرافتها الأساسية؛ فهو مرآة لدهشة المتفرج داخل عالم أكبر من احتماله، يخاف وينبهر ويبالغ، ثم يحول كل ذلك إلى مصدر للضحك. وتضيف يسرا اللوزي ويارا السكري حضورًا عاطفيًا وجماليًا للحكاية، بينما يمنح خالد الصاوي وانتصار وإسماعيل فرغلي ودانا حمدان كثافة لافتة لعالم مزدحم بالشخصيات في حياة الأبطال، وتأتي إطلالات دياب ونسرين أمين ومحمود عبد المغني كلمحات مبهجة تضيف إلى حيوية الفيلم.
يقوم الفيلم أساسًا على تصادم ممتع بين نجومية الأكشن وبساطة الكوميديا، حيث تصبح العلاقة بين «صقر» و«كناريا» المحرك العاطفي الأهم للحكاية، قبل العصابات والمطاردات. ورغم أن شيكو خاض ثنائيات كوميدية عديدة عبر مشواره، فإن كيمياءه مع محمد إمام في «صقر وكناريا» تفوقت، في نظري، على كثير مما سبقها؛ كيمياء صنعت كوميديا خاصة، ومنحت الفيلم متعته الأجمل.
عند الخروج من القاعة، عادت إليّ الجملة الأولى... «روحي اتبسطي». بدت كأنها اختصرت التجربة كلها. «صقر وكناريا» يمنحك ما يعد به منذ البداية، ساعتين خفيفتين. خرجت من الفيلم وفي داخلي ذلك الإحساس البسيط الذي ذهبت أبحث عنه بين الزحام ودوامة العمل؛ أن أستعيد شيئًا من البهجة… وقد كان.