لم تعد حوادث لدغات الثعابين مجرد أخبار موسمية تتكرر مع ارتفاع درجات الحرارة، بل تحولت خلال الأيام الأخيرة إلى مصدر قلق واسع بعد تسجيل حالات وفاة وإصابات في عدد من المناطق، وهو ما أعاد تسليط الضوء على مخاطر الزواحف السامة خلال فصل الصيف.
ورغم أن الخبر أثار حالة من الخوف لدى كثيرين، فإن المتخصصين يؤكدون أن ظهور الثعابين خلال هذه الفترة من العام يعد أمرًا طبيعيًا، بينما تكمن المشكلة الحقيقية في زيادة الاحتكاك بينها وبين الإنسان، خاصة في المناطق الزراعية والقرى التي تنتشر فيها أماكن تخزين التبن والحطب والمخلفات، وهي بيئات مناسبة لاختباء الزواحف السامة.
وفي هذا التقرير نستعرض حقيقة ما يحدث، وإجراءات وزارة الصحة، وأسباب زيادة ظهور الثعابين، وأهم وسائل الوقاية التي قد تنقذ الأرواح.

وزارة الصحة.. الأمصال متوافرة والاستعدادات مستمرة
أكدت وزارة الصحة والسكان أن المستشفيات والمنشآت الصحية المعتمدة على مستوى الجمهورية تمتلك مخزونًا كافيًا من الأمصال المضادة للدغات الثعابين والعقارب، وذلك ضمن خطة الاستعداد الدائمة لمواجهة الحالات الطارئة التي تزداد خلال فصل الصيف.
وأوضحت الوزارة أن جميع المستشفيات المجهزة على استعداد كامل لاستقبال المصابين وتقديم الرعاية الطبية اللازمة على مدار الساعة، مشيرة إلى أن سرعة الوصول إلى المستشفى تعد العامل الأكثر أهمية في إنقاذ حياة المصاب وتقليل المضاعفات الناتجة عن السموم.
كما شددت الوزارة على ضرورة الابتعاد عن الممارسات الخاطئة التي يلجأ إليها البعض، مثل استخدام الوصفات الشعبية أو محاولة علاج اللدغة داخل المنزل، مؤكدة أن هذه التصرفات قد تؤدي إلى تأخير العلاج وزيادة خطورة الحالة.
وأكدت أن التعامل الطبي السليم يبدأ فور وصول المصاب إلى المستشفى، حيث يتم تقييم الحالة وتقديم المصل المناسب وفقًا للبروتوكولات الطبية المعتمدة.
حوادث الشرقية أعادت القضية إلى الواجهة
جاءت تطمينات وزارة الصحة بالتزامن مع حالة من الجدل أثارتها الحوادث الأخيرة التي شهدتها بعض المحافظات، وعلى رأسها محافظة الشرقية، بعد وفاة عدد من المواطنين إثر تعرضهم للدغات ثعابين.
وأعادت هذه الوقائع النقاش حول مدى خطورة انتشار الثعابين في فصل الصيف، ودفعت المواطنين إلى البحث عن أسباب ظهورها بشكل متكرر، وكيفية تجنب التعرض لها، خاصة في القرى التي تحيط بها الأراضي الزراعية.
ورغم حالة الخوف التي صاحبت تلك الحوادث، فإن الخبراء يؤكدون أن ما حدث لا يعني وجود انتشار غير طبيعي للثعابين، وإنما يعكس زيادة فرص الاحتكاك بين الإنسان والزواحف خلال هذه الفترة من العام.
لماذا يزداد ظهور الثعابين خلال الصيف؟
اوضح أحمد الدكروري، المتخصص في صيد الثعابين، أن نشاط الثعابين يزداد بصورة طبيعية خلال شهري يونيو ويوليو من كل عام، وهي ظاهرة معروفة لدى المتخصصين ولا ترتبط بظهور مفاجئ أو غير مسبوق.
ويشير إلى أن هذه الفترة تأتي عقب موسم وضع البيض، حيث تكون الثعابين قد استهلكت جزءًا كبيرًا من طاقتها خلال مرحلة التكاثر، الأمر الذي يدفعها إلى التحرك بكثافة بحثًا عن الغذاء.
ويضيف أن ارتفاع درجات الحرارة يساعد أيضًا على زيادة نشاط الزواحف، باعتبارها من الكائنات التي تعتمد على حرارة البيئة المحيطة لتنظيم نشاطها، ولذلك تصبح أكثر حركة خلال أشهر الصيف مقارنة بفصل الشتاء.
موسم زراعة الأرز يجذب الثعابين
من الأسباب المهمة أيضًا لزيادة ظهور الثعابين، بحسب المتخصصين، موسم زراعة الأرز الذي يتزامن مع فصل الصيف في عدد كبير من المحافظات.
فالحقول المغمورة بالمياه تمثل بيئة مناسبة لانتشار الضفادع، التي تعد أحد أهم مصادر الغذاء بالنسبة لعدد من أنواع الثعابين، وعلى رأسها الكوبرا.
ولهذا تتحرك الثعابين باستمرار بين الأراضي الزراعية بحثًا عن الغذاء، وهو ما يزيد من احتمالات رؤيتها من قبل المزارعين أو سكان القرى المجاورة.
ويؤكد الخبراء أن هذه الحركة الموسمية تتكرر كل عام، لكنها لا تعني بالضرورة زيادة أعداد الثعابين، وإنما تعكس نشاطها الطبيعي في البحث عن الطعام.
الاحتكاك بالإنسان هو الخطر الحقيقي
يرى المتخصصون أن المشكلة الأساسية ليست في وجود الثعابين، وإنما في زيادة فرص التقاء الإنسان بها.
ففي كثير من الحالات، يتعرض الأشخاص للدغات عندما يدوسون على الثعبان دون أن يلاحظوه وسط الأعشاب أو بين المحاصيل الزراعية، أو عندما يحاولون الإمساك به أو قتله.
ويؤكد أحمد الدكروري أن الثعبان لا يهاجم الإنسان بهدف الهجوم، وإنما يدافع عن نفسه عندما يشعر بالخطر أو يجد نفسه محاصرًا.
كما أن بعض الأنواع، مثل الكوبرا، لا تستقر في مكان واحد خلال الصيف، بل تتحرك باستمرار بحثًا عن الغذاء والمأوى المناسب، وهو ما يزيد من احتمالات ظهورها بالقرب من المنازل أو داخل الحقول.
لماذا تقترب الثعابين من المنازل؟
يشير الدكروري إلى أن بعض العادات المنتشرة داخل القرى تساعد، دون قصد، على توفير بيئة مناسبة لاختباء الثعابين.
فأكوام التبن والقش والحطب والمخلفات الزراعية تمثل أماكن مثالية للزواحف، لأنها توفر لها الحماية من أشعة الشمس، وتساعدها على الاختباء بعيدًا عن الإنسان، كما تجذب القوارض والسحالي والأبراص التي تتغذى عليها.
إضافة إلى ذلك، تحتفظ هذه الأكوام بنسبة مرتفعة من الرطوبة أسفلها، وهي بيئة تفضلها العديد من أنواع الثعابين.
ولهذا ينصح الخبراء بعدم ترك التبن أو الحطب ملاصقًا للأرض، مع رفعه على قواعد خشبية أو منصات مرتفعة، بما يقلل فرص اختباء الثعابين داخله.
إجراءات بسيطة تقلل خطر اللدغات
يؤكد الدكروري أن الوقاية تظل الوسيلة الأكثر فاعلية لتجنب حوادث لدغات الثعابين.
وتبدأ إجراءات الوقاية بالحفاظ على نظافة محيط المنزل، وإزالة الحشائش الطويلة، والتخلص من المخلفات الزراعية التي قد تتحول إلى مأوى للزواحف.
كما يُنصح بإغلاق الفتحات والشقوق التي قد تسمح بدخول الثعابين إلى المنازل، مع تركيب شبكات أو أسلاك واقية على النوافذ والأماكن المفتوحة.
أما داخل الأراضي الزراعية، فيوصي الخبراء بارتداء أحذية طويلة أو أحذية واقية أثناء العمل، خاصة خلال أشهر الصيف، حيث تقلل هذه الأحذية بدرجة كبيرة من احتمالات وصول أنياب الثعبان إلى القدم.
كذلك ينبغي توخي الحذر عند السير وسط الحقول أو المناطق الكثيفة بالأعشاب، وعدم إدخال اليدين أو القدمين في أماكن غير واضحة قبل التأكد من خلوها من أي زواحف.
لا تحاول الإمساك بالثعبان
من الأخطاء الشائعة التي يقع فيها البعض محاولة الإمساك بالثعبان أو قتله دون امتلاك الخبرة الكافية.
ويحذر أحمد الدكروري من أن الاقتراب من الثعبان أو محاصرته يدفعه غالبًا إلى الدفاع عن نفسه، وهو ما يزيد احتمالات التعرض للدغة.
وينصح بالحفاظ على مسافة آمنة لا تقل عن مترين، مع التواصل مع الجهات المختصة أو الأشخاص المدربين على التعامل مع الزواحف، بدلًا من المجازفة بمحاولة الإمساك بها.
كما يلفت إلى اعتقاد خاطئ شائع، وهو أن الثعبان يفقد خطورته بمجرد موته، موضحًا أن بعض الأنواع قد تحتفظ بردود فعل انعكاسية لفترة قصيرة بعد نفوقها، ما قد يؤدي إلى حدوث لدغة عند لمسها.
هل توجد وسائل فعالة لطرد الثعابين؟
رغم انتشار العديد من الوصفات الشعبية والمواد التي يُقال إنها تطرد الثعابين، فإن الخبراء يؤكدون أنه لا توجد مادة ثبت علميًا أنها تمنع دخولها إلى أي مكان.
ويشدد أحمد الدكروري على أن الثعبان إذا وجد بيئة مناسبة توفر له الغذاء والأمان والرطوبة، فلن تمنعه أي وصفة أو مادة كيميائية من الوصول إليها.
ولهذا فإن الحل الحقيقي لا يكمن في استخدام وسائل غير مثبتة، وإنما في إزالة الأسباب التي تجذب الثعابين من الأساس، مثل التخلص من المخلفات، والقضاء على القوارض، والحفاظ على نظافة البيئة المحيطة.
ماذا تفعل إذا تعرضت للدغة ثعبان؟
يؤكد الأطباء أن الدقائق الأولى بعد التعرض للدغة قد تكون حاسمة في إنقاذ حياة المصاب.
ولهذا يجب نقل المصاب فورًا إلى أقرب مستشفى مجهز، مع الحرص على تهدئته وتقليل حركته أثناء نقله، لأن الحركة الزائدة قد تسرع من انتشار السم داخل الجسم.
كما يحذر الأطباء من اللجوء إلى ممارسات خاطئة، مثل شق مكان اللدغة، أو محاولة مص السم بالفم، أو وضع مواد كيميائية أو أعشاب على الجرح، إذ إن هذه الإجراءات لا تحقق أي فائدة طبية، وقد تؤدي إلى مضاعفات إضافية.
الوعي المجتمعي هو خط الدفاع الأول
يرى الخبراء أن الحد من حوادث لدغات الثعابين لا يعتمد فقط على توافر الأمصال داخل المستشفيات، وإنما يحتاج أيضًا إلى رفع مستوى الوعي لدى المواطنين، خاصة في القرى والمناطق الزراعية.
فكلما زادت معرفة المواطنين بطبيعة سلوك الثعابين، والأماكن التي تفضلها، وطرق الوقاية منها، انخفضت احتمالات وقوع الحوادث أو تفاقمها.
كما أن نشر الثقافة الصحية الخاصة بالإسعافات الأولية والتصرف الصحيح بعد اللدغة يسهم بشكل مباشر في إنقاذ الأرواح وتقليل المضاعفات.
في الختام، يجمع الخبراء على أن الثعابين لا تبحث عن مواجهة الإنسان، وإنما تتحرك بدافع البحث عن الغذاء والمأوى. لذلك فإن تقليل فرص الاحتكاك بها، وسرعة الحصول على الرعاية الطبية عند التعرض لأي لدغة، يظلان الوسيلتين الأكثر فاعلية للحفاظ على الأرواح والحد من المخاطر خلال أشهر الصيف.



