اعتاد الجمهور في عالم كرة القدم، الاحتفاء بالأهداف والبطولات والألقاب، لكن خلف كل لاعب يصل إلى القمة رحلة طويلة قد لا يعرف عنها الكثيرون شيئًا، وبين عشرات القصص التي شهدتها الملاعب المصرية، تبرز حكاية مصطفى زيكو باعتبارها واحدة من أكثر قصص الكفاح إلهامًا، بعدما انتقل من ظروف معيشية قاسية، اضطر خلالها إلى العمل في الأسواق والنوم في الشارع والاستدانة لتوفير احتياجاته الأساسية، إلى تمثيل منتخب مصر في كأس العالم 2026 ولفت الأنظار بأدائه المميز.
وخلال استضافته في برنامج تليفزيوني، فتح مصطفى زيكو قلبه للجمهور، وكشف للمرة الأولى تفاصيل السنوات الأصعب في حياته، والتي صنعت شخصيته قبل أن تصنع نجوميته داخل المستطيل الأخضر.
_825_123605.jpg)
وفاة الأب.. اللحظة التي غيرت كل شيء
كانت البداية الحقيقية لمعاناة مصطفى زيكو عندما فقد والده وهو في الرابعة عشرة من عمره، وهي المرحلة التي كان يفترض أن ينشغل فيها بالدراسة وكرة القدم فقط، إلا أن وفاة الأب فرضت عليه مسؤوليات أكبر بكثير من عمره.
أصبح الشاب الصغير مطالبًا بمساعدة أسرته في مواجهة أعباء الحياة اليومية، في وقت كانت الأسرة تعيش ظروفًا اقتصادية صعبة، وهو ما جعله يدخل سوق العمل مبكرًا دون أن يتخلى عن حلمه في أن يصبح لاعب كرة قدم.
وأكد زيكو أن والدته كانت صاحبة الدور الأكبر في الحفاظ على تماسك الأسرة بعد رحيل الأب، مشيرًا إلى أنها تحملت مسؤوليات ضخمة، وقدمت تضحيات كبيرة حتى يتمكن أبناؤها من استكمال حياتهم.
وقال إن كل ما حققه حتى الآن يعتبر جزءًا بسيطًا من رد الجميل لوالدته التي كانت الداعم الأول في أصعب فترات حياته.
بيع الملابس بعد التدريبات
لم تكن كرة القدم وحدها تشغل يوم مصطفى زيكو، إذ كشف أن والده كان يمتلك محلًا لبيع الملابس بمدينة شبين الكوم، وكان يساعده في العمل منذ سنوات الطفولة.
وبعد وفاة الأب، أصبحت مسؤولية العمل تقع على عاتقه بشكل أكبر، فكان يبدأ يومه بالتوجه إلى تدريبات فريق جمهورية شبين، ثم ينتقل مباشرة للعمل في بيع الملابس داخل الأسواق حتى ساعات متأخرة من الليل.
وأوضح أن هذا الروتين استمر لفترات طويلة، حيث كان يقضي ساعات الصباح في التدريبات، ثم يقف على "فرشة" الملابس حتى العاشرة مساءً، قبل أن يعود للنوم استعدادًا ليوم جديد يحمل التحديات نفسها.
ويؤكد زيكو أن الجمع بين التدريب والعمل لم يكن أمرًا سهلًا، لكنه كان يدرك أن النجاح في كرة القدم يحتاج إلى التضحية، وأن مسؤوليات الأسرة لم تكن تسمح له بالاكتفاء بالتدريبات فقط.
النوم في الشارع.. أصعب محطات الرحلة
ربما كانت أكثر اللحظات تأثيرًا في حديث مصطفى زيكو اعترافه بأنه اضطر في بعض الفترات إلى النوم في الشارع بسبب الظروف الاقتصادية الصعبة.
وأوضح أنه كان يستيقظ صباحًا ويتوجه إلى أحد المساجد للاستحمام، ثم يذهب إلى التدريبات، وبعدها يعود للعمل في الشارع حتى نهاية اليوم.
كما كشف أن الأسرة مرت بأيام لم تكن تمتلك خلالها المال الكافي لشراء الطعام، وهو ما جعله وأخاه يضطران إلى الاستدانة لتوفير احتياجاتهما الأساسية.
وقال اللاعب متأثرًا إن هناك فترات لم يكن للأسرة أي مصدر دخل، بينما كان إجمالي ما يحصل عليه هو وشقيقه من كرة القدم لا يتجاوز 800 جنيه، وهو مبلغ لم يكن يكفي لتغطية متطلبات الحياة.
ورغم هذه الظروف، رفض زيكو الاستسلام أو التخلي عن حلمه، معتبرًا أن كل أزمة مر بها كانت دافعًا إضافيًا للاستمرار.
البداية من جمهورية شبين
بدأ مصطفى زيكو مشواره الكروي داخل صفوف جمهورية شبين، أحد أندية دوري الدرجة الثانية، حيث لفت الأنظار بموهبته، لكنه كان بعيدًا عن الأضواء في ظل المنافسة القوية داخل الكرة المصرية.
ورغم قلة الإمكانيات، استمر اللاعب في تطوير مستواه الفني، مستفيدًا من خبرات المدربين الذين أشرفوا على تدريبه، إلى جانب عزيمته الكبيرة على تغيير واقعه.
وكان يدرك أن الوصول إلى الدوري الممتاز هو الخطوة الأولى لتحقيق حلمه الأكبر بارتداء قميص منتخب مصر.
محطة حرس الحدود
في عام 2019 انتقل زيكو إلى صفوف حرس الحدود، لتبدأ مرحلة جديدة في مسيرته الكروية.
وشارك مع الفريق في رحلة الصعود إلى الدوري الممتاز، وقدم مستويات جيدة ساعدته على اكتساب مزيد من الخبرات، كما أصبح اسمه معروفًا لدى المتابعين بعد الأداء المميز الذي قدمه مع الفريق.
ومثلت هذه الفترة نقطة تحول مهمة، بعدما أثبت قدرته على المنافسة في مستويات أعلى من دوري الدرجة الثانية.
التألق مع زد ثم الانتقال إلى بيراميدز
واصل زيكو رحلة التطور بعد انتقاله إلى نادي زد عام 2023، حيث قدم أحد أفضل مواسمه، بعدما ساهم في 17 هدفًا ما بين التسجيل والصناعة، وهو ما جعله محط أنظار عدد من الأندية الكبرى.
وجاءت الخطوة التالية بانتقاله إلى بيراميدز في عام 2025، ليخوض تجربة جديدة مع أحد أبرز أندية الدوري المصري، وهو الانتقال الذي ساهم في زيادة فرص ظهوره مع المنتخب الوطني.
مفاجأة استدعاء منتخب مصر
اعترف زيكو بأنه لم يكن يتوقع الانضمام إلى المنتخب الوطني، بل كان يستعد للسفر إلى الساحل الشمالي لقضاء إجازته عندما تلقى نبأ وجود اسمه ضمن القائمة الأولية.
ووصف تلك اللحظة بأنها من أسعد لحظات حياته، لأنها جاءت بعد سنوات طويلة من العمل والاجتهاد، مؤكدًا أن ارتداء قميص منتخب مصر كان حلمًا يرافقه منذ الطفولة.
وأشار إلى أن استدعاء المنتخب لم يكن مجرد مكافأة على مستواه الفني، بل كان تتويجًا لرحلة طويلة من الصبر والمعاناة.
كأس العالم 2026.. من البديل إلى أحد أبرز نجوم المنتخب
دخل مصطفى زيكو بطولة كأس العالم 2026 وسط توقعات محدودة بشأن دوره مع المنتخب، لكنه نجح في تغيير الصورة سريعًا.
فقد تحول من لاعب بديل إلى عنصر أساسي في تشكيل منتخب مصر، وقدم مستويات لافتة خلال البطولة، مسجلًا هدفين مهمين، الأول أمام نيوزيلندا في دور المجموعات خلال الفوز بنتيجة 3-1، والثاني أمام الأرجنتين في مباراة دور الـ16 التي انتهت بخسارة مصر 2-3.
كما سبق له أن سجل في المباراتين الوديتين أمام روسيا والبرازيل قبل انطلاق المونديال، ليؤكد جاهزيته للمشاركة في البطولة العالمية.
وأصبح زيكو أحد أبرز الأسماء التي لفتت الأنظار خلال مشاركة منتخب مصر، بعدما جمع بين الأداء القتالي والفعالية الهجومية.
ماذا تعلم مصطفى زيكو من رحلة المعاناة؟
تكشف قصة مصطفى زيكو أن النجاح في كرة القدم لا يرتبط بالموهبة وحدها، بل يحتاج إلى قدر كبير من الصبر والإصرار والقدرة على تجاوز الأزمات.
فاللاعب الذي كان يقضي نهاره بين التدريبات وبيع الملابس، واضطر إلى النوم في الشارع والاستدانة لتوفير قوت يومه، أصبح بعد سنوات أحد لاعبي منتخب مصر في كأس العالم.
وتؤكد رحلته أن الظروف الاقتصادية الصعبة قد تؤخر الوصول إلى الحلم، لكنها لا تمنع تحقيقه إذا توافرت الإرادة والعمل المستمر.
رحلة تلخص معنى الإصرار
تظل قصة مصطفى زيكو نموذجًا استثنائيًا في الكرة المصرية، ليس فقط بسبب انتقاله من دوري الدرجة الثانية إلى تمثيل منتخب مصر، وإنما لأنها تعكس رحلة إنسانية مليئة بالتحديات والانتصارات.
ومن فقدان الأب والعمل في الأسواق، إلى التألق في الدوري المصري والمشاركة في كأس العالم، يثبت زيكو أن قصص النجاح الحقيقية لا تُكتب بالصدفة، وإنما تصنعها سنوات طويلة من الكفاح والإيمان بالحلم، وهو ما يجعل رحلته مصدر إلهام لكل لاعب شاب يسعى إلى تحقيق طموحه رغم قسوة الظروف.




