قناة صدى البلد البلد سبورت صدى البلد جامعات صدى البلد عقارات Sada Elbalad english
عاجل
english EN
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل

من قطعة معدنية إلى حلم البشرية.. ناسا تمهد العودة إلى القمر

الفضاء
الفضاء

قبل أكثر من نصف قرن، غادر آخر رائد فضاء سطح القمر، لتُطوى صفحة واحدة من أعظم مغامرات البشرية ومنذ ذلك اليوم، ظل السؤال حاضرًا متى يعود الإنسان إلى هناك؟.

اليوم، يبدو أن الإجابة بدأت تتشكل، ليس بإطلاق صاروخ إلى السماء، بل بوصول أول قطعة منه إلى أكبر مبنى لتجميع الصواريخ في العالم، في خطوة تمثل بداية رحلة جديدة قد تعيد الإنسان إلى القمر، وتمهد الطريق نحو المريخ.

البداية الحقيقية قطعة واحدة تحمل حلمًا عمره 54 عامًا

داخل مركز كينيدي للفضاء في ولاية فلوريدا، وصلت أولى مكونات صاروخ مهمة "أرتميس 3" إلى مبنى تجميع المركبات، معلنة انطلاق واحدة من أكثر مراحل برنامج "أرتميس" تعقيدًا.

قد تبدو القطعة مجرد جزء هندسي، لكنها بالنسبة لوكالة الفضاء الأمريكية (ناسا) تمثل أول لبنة في بناء الصاروخ الذي سيقود الجيل الجديد من رحلات الفضاء المأهولة، بعد عقود من انتهاء برنامج "أبولو" عام 1972.

وبهذه الخطوة، ينتقل المشروع من مرحلة التخطيط والتصميم إلى واقع هندسي يُبنى قطعةً بعد أخرى استعدادًا للإطلاق المقرر خلال عام 2027.

إرث “أبولو” وحلم لم يتوقف

منذ إسدال الستار على رحلات "أبولو"، لم تتخلي ناسا عن حلم العودة إلى القمر، لكنها كانت تدرك أن المهمة الجديدة تختلف تمامًا عن سابقاتها.

فعندما أطلقت برنامج "أرتميس" عام 2019، لم يكن الهدف مجرد تكرار الهبوط التاريخي، بل إنشاء وجود بشري مستدام على سطح القمر، ليصبح بوابة الانطلاق نحو الكوكب الأحمر، المريخ.

ومع النجاح الذي حققته مهمة "أرتميس 2" في أبريل 2026، عندما دار أربعة رواد فضاء حول القمر في رحلة مأهولة، بدأت الوكالة الآن الاستعداد للمرحلة التالية، الأكثر حساسية في البرنامج.

القوة التي سترفع الحلم إلى الفضاء

القطعة التي وصلت إلى مركز كينيدي ليست عادية، فهي الجزء السفلي من أحد معززي الدفع الصلب اللذين سيُثبتان على جانبي صاروخ "نظام الإطلاق الفضائي" (SLS)، أقوى صاروخ طورته ناسا في تاريخها.

وتوفر هذه المعززات أكثر من 75% من قوة الدفع اللازمة عند الإقلاع، بقوة تصل إلى نحو 32 مليون ميغانيوتن، وهي القوة التي تمكن الصاروخ من مغادرة منصة الإطلاق والانطلاق في رحلته نحو الفضاء.

ويبلغ ارتفاع كل معزز نحو 54 مترًا، ويعمل بوقود صلب مكون من خليط كيميائي عالي الكفاءة، يتميز بقوة هائلة، لكنه يحمل تحديًا كبيرًا؛ إذ لا يمكن إيقافه بعد لحظة الاشتعال، ما يجعل كل ثانية من عملية الإطلاق محسوبة بدقة متناهية.

سباق مع الزمن داخل أكبر ورشة فضائية

رغم وصول المرحلة الأساسية للصاروخ إلى مركز كينيدي خلال مايو الماضي، فإن العمل ما زال في بدايته.

فالمهندسون سيواصلون تركيب المحركات، ثم دمج بقية مكونات الصاروخ، قبل الانتقال إلى واحدة من أهم المحطات، وهي تجربة التعبئة الكاملة بالوقود، المعروفة باسم "البروفة الرطبة"، إضافة إلى اختبار العد التنازلي، وهي اختبارات تحاكي يوم الإطلاق الحقيقي بكل تفاصيله.

وتشير التجارب السابقة إلى أن عملية تجميع الصاروخ قد تستغرق قرابة عام كامل، وهو ما يمنح فرق العمل الوقت الكافي لإنجاز المهمة قبل الموعد المستهدف للإطلاق في منتصف أو أواخر عام 2027.

مهمة مختلفة والهبوط ليس الهدف الأول

ورغم أن اسم "أرتميس 3" ارتبط طويلًا بعودة الإنسان إلى سطح القمر، فإن المهمة الحالية ستؤدي دورًا مختلفًا.

فبدلًا من الهبوط، سيقضي أربعة رواد فضاء نحو أسبوعين في مدار أرضي منخفض على متن مركبة "أوريون"، حيث سيجرون سلسلة من اختبارات الالتقاء والالتحام مع نماذج أولية لمركبات الهبوط القمرية التي تطورها شركتا "سبيس إكس" و"بلو أوريجن".

وسيختبر الطاقم أنظمة الالتحام، ويدخل إلى مركبة "بلو مون" لتجربة المقصورة وبدلات السير على القمر، قبل تنفيذ تجربة مماثلة مع النسخة التجريبية من مركبة "ستارشيب"، التي ما تزال أنظمة دعم الحياة الخاصة بها قيد التطوير.

وتمثل هذه الاختبارات خطوة أساسية للتأكد من جاهزية التقنيات التي ستعتمد عليها رحلات الهبوط المستقبلية.

الطريق إلى القمر يمر عبر المدار

بحسب الخطة الحالية، لن يشهد "أرتميس 3" أول هبوط بشري على سطح القمر، بل سيكون المهمة التي تختبر جميع العناصر اللازمة لإنجاح تلك اللحظة التاريخية.

أما العودة الفعلية إلى سطح القمر، فمن المتوقع أن تتحقق خلال مهمة "أرتميس 4"، المنتظر إطلاقها في أواخر عام 2028، لتصبح أول رحلة مأهولة ضمن البرنامج تهبط على القمر بعد أكثر من خمسة عقود على آخر زيارة بشرية.

عندما تبدأ الرحلة قبل الإقلاع

قد يظن البعض أن استكشاف الفضاء يبدأ مع اشتعال المحركات وانطلاق الصاروخ، لكن الحقيقة أن الرحلة تبدأ قبل ذلك بسنوات.

إنها تبدأ داخل ورش الهندسة، وفي قاعات التصميم، وبين آلاف الاختبارات التي تضمن أن كل قطعة ستؤدي دورها في اللحظة المناسبة.

واليوم، ومع تثبيت أول مكونات صاروخ "أرتميس 3"، تكون ناسا قد وضعت أولى خطوات رحلة جديدة لا تستهدف القمر وحده، بل ترسم ملامح مستقبل الاستكشاف البشري خارج حدود الأرض، وتفتح الباب أمام عصر جديد قد يجعل وجود الإنسان على عوالم أخرى حقيقة أقرب من أي وقت مضى.