أيام قليلة وتحل الذكرى الرابعة والسبعين لأم الثورات فى القرن العشرين 23 يوليو 1952، تلك الثورة التى تعد نقطة فارقة في تاريخ النضال الوطني ونموذجا فريدا لإرادة شعب اصطف كعادته خلف جيشه على قلب رجل واحد .
الثورة التاريخية التي تصنف بحق كأحد أهم الأحداث الفاصلة التي شهدها العالم الثالث .. ثورة شعب بأكمله، عبرت عن آماله، وجسدت مطالبه، وجاءت مبادؤها استكمالا لتطلعاته المشروعة ، بعدما رفعت شعار الإرادة الوطنية الحرة، والإيمان المطلق بحق الوطن في سيادة أراضيه وتطهيرها، وحق المواطن البسيط في احترام كرامته، وآدميته، وأمنه الشخصي والاجتماعي داخل وطنه.
وتجاوبت أحداث ثورة يوليو مع روح العصر لترسخ في الوجدان العالمي مبادئ الحرية، والمساواة، والعدالة الاجتماعية ، لذا لم تقف حدودها عند تغيير وجه الحياة بشكل جذري في مصر ومحيطها العربي فحسب، بل امتد وهجها ليتجاوز قارات إفريقيا، وآسيا، وأمريكا اللاتينية، لتصنع حالة من الريادة الملهمة لتلك الدول والشعوب، حتى تلاحمت الثورات التحررية وتأثرت بها، مما دفع المؤرخين لوصفها بـ "الثورة الأم" التي فاق وتجاوز تأثيرها العالمي ذلك التأثير الكبير الذي أحدثته الثورة الفرنسية في القارة الأوروبية.
ولكن قبل أن نتحدث عن منجزات الثورة ونجاحاتها وكيف أعادت الأرض لشعبها ، دعونا أولا نرد على كل من تسول له نفسه الادعاء بهتانا وزورا على الثورة لتجميل واقع مصر الملكية...
ولمن يهللون لعصر الملكية، ويحاولون بكل دأب تشويه ثورة يوليو المجيدة، أعرض عليكم الحقائق وبلغة الأرقام التي لا تعرف التزييف ولا المجاملات، لنكشف للجميع كيف كانت الملكية جحيما ل90% من الشعب ، وكل الصور الفوتوغرافية التى يتم الترويج لها على صفحات التواصل الاجتماعى على أنها مصر الملكية هى ثور منتقاة بعيدة كل البعد عن واقع الشعب المقهور.
ففى عهد الملكية، بلغت نسبة الفقر 90% من إجمالي عدد السكان البالغ آنذاك 22 مليون نسمة ، حيث كان فيه ملاك الشركات والإقطاعيون لا يتجاوزون 7000 شخص، لم يكن نصيب المصريين منهم سوى أقل من ألف شخص، بينما ذهبت البقية للأجانب الذين شُيدت لأجل رفاهيتهم القصور والحدائق التي كان محرما على المواطن المصري البسيط حتى مجرد المرور بجوارها منعا ل "التلوث البصري"، مُكتفين بتحويل صاحب الأرض التاريخي إلى مجرد خادم يقنع بفضلات موائدهم.
وهذه ليست اتهامات مرسلة، بل هي شهادات وثقها مؤرخين كبار وفى مقدمتهم الراحل الأستاذ الدكتور رؤوف عباس حامد (رئيس الجمعية المصرية للدراسات التاريخية الأسبق) والذى أكد أن نسبة الفقر المدقع في الريف المصري سجلت حوالي 76% عام 1937، لتتفاقم وتصل مع نهاية عهد الملك فاروق إلى 90%، كما تكشف دراسة رسمية صادرة عن "مصلحة الإحصاء" عام 1942 أن متوسط الأجر الشهري للعامل كان أقل عن 262 قرشا، ما يعنى أن الطبقة العاملة برمتها كانت ترسخ تحت خط الفقر المطلق.
أما في الريف، فحدث ولا حرج عن مأساة الفلاحين التي بدأت فصولها منذ عهد الخديوي إسماعيل، والذي وثق الإمام محمد عبده في مذكراته أنه كان يستأثر وحده بـخمس الأراضي الزراعية في مصر، مستندا إلى قوانين جائرة تمنح الإقطاعيين الحق في تسخير الفلاحين بلا مقابل ، بل وتلزمهم بإحضار أدوات عملهم على نفقتهم الخاصة! وتجلى قبح هذه الذهنية الإقطاعية فيما نقله الدكتور رؤوف عباس عن الجلسة الشهيرة لـ "حامد جودة بك" (رئيس مجلس النواب السعدي)، حينما تجرأ وطالب ملاك الأراضي بإقامة "مساكن صحية لعمال الزراعة أسوة بمواشيهم، وعلاج الفلاح إذا مرض كما يهتمون بصحة الماشية"، فما كان من الأغلبية البرلمانية إلا أن قوبل طلبه بالرفض والاستهجان، واعتبرت مطالبته الإنسانية ترويجا "لأفكار هدامة تضر بالسلم الاجتماعي"!
وحتى حرمة الموت لم تسلم من جشع تلك الحقبة، إذ ينقل الكاتب الصحفي الراحل صلاح عيسى في كتابه "الثورة العرابية" شهادة حية لمراسل جريدة "التايمز" البريطانية عام 1879، يصف فيها كيف قام جباة الضرائب باعتراض جنازة في إحدى القرى، وأمروا بإنزال النعش على الأرض رافضين السماح بدفن الميت حتى يتم دفع ضريبة مستحقة عليه تبلغ 6 قروش، وهم ما تحقق بالفعل بعدما جمع الفلاحون الفقراء المبلغ من قوت يومهم لحفظ كرامة ميتهم، ويروي ذات المراسل مشهدا تدمى له القلوب أثناء حفر الفلاحين لترعة تروي أراضي الخديوي بالوجه البحري تحت إشراف الأمير حسين كامل ، فحين أعلن عن قدوم الأمير لتفقد الأراضي، انقض الملاحظون يجلدون العمال العرايا بأغصان الأشجار الغليظة لإجبارهم على إظهار منتهى الهمة، فكان الأمير يمر مستمتعا بالمنظر والناس يتساقطون صرعى على الصخور ويغرقون في الوحل والدماء تنزف من أجسادهم، وهو يصيح مشجعا ومثنيا عليهم بـ "برافو.. برافو!"، في جولة تفقدية واحدة انتهت بحصيلة مخزية بلغت 30 قتيلا من الفلاحين بلا دية أو ثمن.
وتكشف الباحثة آية سمير غريب في رسالتها للماجستير الصادرة في كتاب "الأمية في مصر.. 1923 – 1952"، أن السياسة التعليمية لمصر الحديثة منذ محمد علي باشا لم تكن تستهدف نشر التنوير بل تجهيز كوادر محدودة جدا لخدمة الجيش والدواوين؛ حيث كان الباشا يرى أن حكم شعب متعلم أصعب بكثير من حكم شعب جاهل، لتنتهي فترة حكمه بنسبة أمية بلغت 94% (6% فقط من القراء والكتاب). ومع مجيء الاحتلال البريطاني، زاد الوضع سوءًا؛ ففي عام 1882 كانت نسبة الملمين بالقراءة والكتابة 3.6% فقط للذكور، و0.2% للإناث، وفي عام 1907 بلغت 9.7% للذكور و0.2% للإناث. وبحلول عام 1930، حصدت مصر تحت الحكم الملكي المرتبة الأولى عالميا في الأمية بنسبة بلغت 88%! ،
بل إن نواب البرلمان الملكي في جلسة عام 1937 وقفوا ليرفضوا علانية تعليم أولاد الفقراء باعتبار ذلك "خطرا اجتماعيا هائلا لا يمكن تصور مداه"، مطالبين بقصر التعليم على أبناء الأثرياء خشية أن "يفسد التعليم أبناء الفلاحين ويقعدهم عن العمل بالزراعة"، وفي جلسة 1938 تكرر المشهد بإعلان النواب أنه "لا جدوى من تعليم أبناء الفلاحين، والأولى بهم أن يتعلموا مقاومة دودة القطن"!
هذا الجهل الممنهج فتح الباب على مصراعيه لثالوث الفقر والجهل والمرض؛ فبحلول عام 1950، كان المشهد الصحي في مصر كارثيا بامتياز:14.5 مليون مصاب بالرمد الحبيبي (أي ما يعادل 90% من الشعب)،
12 مليون مصاب بالبلهارسيا (75% من الشعب)،
8 ملايين مصاب بالإنكلستوما (50% من الشعب)،
وحققت مصر الملكية بفضل إهمالها المركز الأول عالميا في وفيات الأطفال، وكان معدل الوفيات 441 ألف مصري سنويا نتيجة سوء التغذية، وفقر الدم، وانعدام النظافة والبيئة الصحية، وشرب الفلاحين من مياه الترع والمصارف الآسنة، بينما كانت الحكومات الملكية تستخسر توفير الأمصال والأدوية والمستشفيات للفقراء.
وحتى ندرك تماما حجم المأساة التي ورثتها ثورة يوليو، فقد شهد عام 1952 عجزا ضخمًا في الموازنة العامة للدولة بلغ 52 مليون جنيه، وكان 85% من المصريين يعيشون "حفاة" بلا أحذية تستر أقدامهم، وهي الحقيقة المخزية التي دفعت الملك فاروق بنفسه عام 1941 لإطلاق ما عرف بـ "المشروع القومي لمكافحة الحفاء"، وأصدرت على إثرها حكومة حسين سرى باشا بيانا رسميًا يقر طالبت فيه بجعل "عيد ميلاد الملك" مناسبة لجمع التبرعات والاستجداء من الميسرين لكساء أقدام الشعب العاري!
هذه هي مصر الملكية بالأرقام والوثائق الرسمية وبأقلام شهود عيان عاصروها ، جحيم حقيقي وسخرة وأمراض فتاكة وأمية مرعبة وجوع ممتد.
ووسط أنين الملايين من الحفاة والفقراء والمهمشين، ولدت معجزة الثالث والعشرين من يوليو 1952 ، والتى أعادت صياغة المعادلة الاجتماعية والسياسية لصالح أصحاب الأرض الحقيقيين، فجاءت مختلفة عن أي ثورة سابقة لها إذ جمعت بين ثلاثة أهداف حاسمة إسقاط حكم أسرة محمد علي، وجلاء الاحتلال البريطاني، وتصفية مجتمع الـ (نصف في المائة)،وحظيت بتأييد شعبي جارف ، وهو ما تجلى في كونها ثورة بيضاء لم تسقط فيها قطرة دم واحدة.
وبالفعل، نجحت ثورة يوليو في تحقيق مبادئها الستة بنسب كبيرة وهي: القضاء على الاستعمار وأعوانه، القضاء على الإقطاع، القضاء على الاحتكار وسيطرة رأس المال، إقامة عدالة اجتماعية، إقامة جيش وطني قوي، وإقامة حياة ديمقراطية سليمة.
فقد أطاحت الثورة بالإقطاع عبر قوانين الإصلاح الزراعي التي حددت الملكية بمائتي فدان كحد أقصى، لتوزع الأراضي على الفلاحين ليعود خيرها إليهم لأول مرة، وأطلقت مشروعات زراعية رائدة لعل أبرزها إنشاء "مديرية التحرير" التي استصلحت 35 ألف فدان من الأراضي الصحراوية القاحلة.
وتوجت الثورة نضال المصريين بالتخلص من الوجود البريطاني عبر توقيع اتفاقية الجلاء في 20 أكتوبر 1954، لترحل القوات المحتلة بعد 74 عاما من السيطرة.
كما خاضت الثورة معارك سيادية كبرى، على رأسها قرار تأميم قناة السويس في 26 يوليو 1956، ردا على المؤامرة الدولية لرفض تمويل السد العالي ، ذلك الصرح الذي صار العمود الفقري للتنمية وحامي مصر من الجفاف، كما أسست الثورة "المجلس الدائم لتنمية الإنتاج القومي" في سبتمبر 1952، ثم مصرت البنوك والشركات الأجنبية التي كانت تسيطر على مفاصل المال. وتوجت ذلك بتأميم قطاعات واسعة وأشركت العمال في الإدارة والأرباح.
وتكللت هذه الجهود بصدور دستور 1956، وهو أول دستور مصري يلتزم صراحة بتحقيق العدالة الاجتماعية، وتكافؤ الفرص، ورفع مستوى معيشة المواطنين وفق خطط اقتصادية مرسومة تخدم المجموع لا النخبة.
وآخيرا وليس آخرا ، الحديث عن ثورة يوليو يحتاج لمجلدات، لكنها تظل نموذجا ملهما ،وهي بحق "أم الثورات" التي ما زال صداها يتردد في انتفاضات شعوب أفريقيا وأمريكا الجنوبية، وتتجلى روحها الوطنية في موجات مصر الثورية المتعاقبة وعلى رأسها ثورة 30 يونيو.
ألف تحية لثورة يوليو العظيمة في ذكراها الرابعة والسبعين، وسلاما على قائدها ومؤسسها الزعيم الخالد جمال عبد الناصر.