لم تكن مجرد سفينة أبحرت ثم غرقت، بل أسطورة بحرية ظلت حبيسة الأعماق لأكثر من ثلاثة قرون، تحمل بين ألواحها أحد أكبر الكنوز المفقودة في التاريخ واليوم، بدأت "سان خوسيه" الإسبانية تبوح بأسرارها لأول مرة، بعدما نجح علماء كولومبيون في انتشال أولى مقتنياتها من قاع البحر الكاريبي، في عملية قد تعيد كتابة فصل مهم من تاريخ الملاحة والكنوز الغارقة.
رحلة انتهت بكارثة وبداية أسطورة لا تموت
في عام 1708، كانت السفينة الإسبانية "سان خوسيه" تشق طريقها عبر البحر الكاريبي متجهة إلى إسبانيا، محملة بثروة هائلة من الذهب والفضة والزمرد جُمعت من المستعمرات الإسبانية في أمريكا اللاتينية، وكان من المقرر أن تصل إلى الملك فيليب الخامس.

لكن الرحلة لم تكتمل فقبالة سواحل مدينة قرطاجنة الكولومبية، اعترضتها البحرية الملكية البريطانية خلال حرب الخلافة الإسبانية، لتندلع معركة بحرية انتهت بانفجار السفينة وغرقها بكل ما تحمله إلى أعماق البحر، تاركة وراءها لغزًا حيّر العالم لأكثر من 300 عام.
كنز يساوي 31 مليار دولار
لم يكن ما غرِق مع السفينة مجرد بضائع ثمينة، بل ثروة استثنائية تُقدر قيمتها الحالية بما يتراوح بين 20 و31 مليار دولار، تضم نحو 11 مليون قطعة نقدية من الذهب والفضة، إلى جانب كميات ضخمة من أحجار الزمرد النفيسة.
ولهذا السبب، أصبحت "سان خوسيه" تُوصف بأنها أثمن حطام سفينة اكتُشف في التاريخ، وتحولت إلى هدف للباحثين عن الكنوز والحكومات والشركات القانونية على حد سواء.
بعد ثلاثة قرون.. أول كنوز تخرج من الأعماق
في خطوة وُصفت بالتاريخية، نفذت الحكومة الكولومبية بعثة علمية بين 16 و18 نوفمبر 2025، استخدمت خلالها مركبات آلية متطورة للوصول إلى الحطام الراقد على عمق يقارب 600 متر قبالة سواحل قرطاجنة.
وأسفرت المهمة عن انتشال أول مجموعة من القطع الأثرية، شملت مدفعًا برونزيًا يحمل نقشًا باسم "إشبيلية"، وكأسًا خزفيًا، وثلاث عملات ذهبية نادرة من نوع "ماكوكينا"، إلى جانب عدد من القطع الخزفية التي بقيت محفوظة رغم مرور أكثر من ثلاثة قرون تحت الماء.
كيف تأكد العلماء من هوية السفينة؟
رغم إعلان كولومبيا اكتشاف موقع الحطام عام 2015، فإن إثبات هوية السفينة احتاج إلى سنوات من الدراسات الدقيقة.
وفي عام 2018، أكد المعهد الكولومبي للتاريخ والأنثروبولوجيا أن الحطام يعود بالفعل إلى "سان خوسيه"، بعد تحليل تصميم المدافع والعلامات المميزة الموجودة عليها.
وجاء الدليل الأقوى في مايو 2025، عندما نشر باحثون دراسة في مجلة Antiquity استخدمت تقنيات التصوير ثلاثي الأبعاد لتحليل العملات الذهبية الموجودة في الموقع، لتكشف عن رموز صليب القدس وشعارات تاجي قشتالة وليون، إضافة إلى علامات دار سك العملة في ليما، والتي أثبتت أن العملات صُكت عام 1707، قبل عام واحد فقط من غرق السفينة.

مرحلة جديدة من البحث وليس البحث عن الذهب فقط
عملية الانتشال لم تكن نهاية القصة، بل بداية مرحلة جديدة تحمل اسم "نحو قلب سفينة سان خوسيه".
وشارك في المهمة البحرية الكولومبية ووزارة الثقافة والمعهد الوطني للتاريخ والأنثروبولوجيا والإدارة البحرية، بينما أكدت السلطات أن الهدف الرئيسي هو دراسة التراث الثقافي المغمور بالمياه، وليس استخراج الكنوز بغرض تحقيق مكاسب مالية.
كما كشفت عمليات المسح التي أُجريت عام 2024 عن وجود عشرات القطع الأخرى المنتشرة في موقع الحطام، بينها مراسٍ وأوانٍ خزفية وزجاجات وقطع ذهبية لم تُنتشل بعد، وسط خطط لإنشاء متحف متخصص في مدينة قرطاجنة لعرض المكتشفات.
إرث استعماري يطفو من جديد
وراء بريق الذهب والزمرد، تحمل "سان خوسيه" قصة تتجاوز قيمة الكنوز نفسها فإسبانيا ترى في السفينة جزءًا من تاريخها البحري، لأنها كانت ترفع العلم الإسباني وتحمل ثروات مخصصة للتاج الملكي، بينما تعتبرها كولومبيا شاهدًا على حقبة استعمارية استُخرجت خلالها ثروات أمريكا اللاتينية ونُقلت إلى أوروبا.
أما العملات الذهبية من نوع "ماكوكينا"، فتُعد من أندر القطع التاريخية، إذ كانت تُسك يدويًا بأشكال غير منتظمة، وظلت متداولة في الأمريكتين لأكثر من قرنين، ما يمنحها قيمة أثرية تتجاوز قيمتها المادية.
الأسرار لم تنتهِ بعد
ورغم أن القطع التي خرجت إلى السطح تمثل إنجازًا علميًا مهمًا، فإنها لا تشكل سوى جزء ضئيل مما تخفيه "سان خوسيه" في قاع البحر.
ومع استمرار أعمال البحث والدراسة، تبقى السفينة التي ابتلعتها أمواج الكاريبي قبل أكثر من ثلاثة قرون قادرة على مفاجأة العالم، ليس فقط بما تحتويه من ذهب وكنوز، بل بما تحمله من قصص تاريخية وصراعات سياسية وقانونية لم تُحسم فصولها حتى الآن.


