تفرض الأزمات المائية العالمية واقعًا جديدًا يتطلب حلولًا غير تقليدية، حيث يواجه أكثر من نصف سكان الأرض خطر نقص المياه العذبة بحلول عام 2050. وتؤكد الأمم المتحدة أن تزايد الطلب على المياه، مدفوعًا بالنمو السكاني والتوسع العمراني وتغير المناخ، يجعل تطوير مصادر غير تقليدية، وفي مقدمتها تحلية مياه البحر، أحد أهم مرتكزات تحقيق الأمن المائي عالميًا.
وتتصدر مصر هذا المشهد بمحاولة جادة لفك الارتباط الاستراتيجي بين النمو العمراني ومياه نهر النيل، عبر خطة ثلاثينية (2020-2050) تستهدف إنتاج 9.8 مليون متر مكعب يوميًا من مياه البحر المحلاة.
استجابة حتمية لانخفاض نصيب الفرد من المياه إلى نحو 550 مترًا مكعبًا سنويًا
وتكشف دراسة نشرتها مجلة جامعة عين شمس الهندسية عام 2023 أن هذا التوسع المصري لا يمثل مجرد خيار تكنولوجي، بل استجابة حتمية لانخفاض نصيب الفرد من المياه إلى نحو 550 مترًا مكعبًا سنويًا، وهو ما يقترب بشدة من حاجز الـ500 متر مكعب الذي تحدده الأمم المتحدة حدًا للندرة المطلقة، الأمر الذي يجعل من تحلية مياه البحر إحدى الركائز الأساسية لتعزيز الأمن المائي ودعم مسيرة التنمية المستدامة في مصر.
النموذج الصيني واقتصاديات الحجم
لا تقتصر أهمية التحلية على توفير المياه للشرب، بل تمتد لتصبح محركاً للنمو الاقتصادي، وهو ما تجسده التجربة الصينية كنموذج استرشادي لمصر؛ إذ تُعد هذه التجربة، التي حللتها دراسة دورية Energies (2019)، خارطة طريق دولية لمصر؛ فقد نجحت الصين في رفع سعة التحلية من 20 مليون متر مكعب سنوياً عام 2006 إلى 390 مليوناً عام 2016.. وتبرز الدراسة أن النجاح الصيني قام على "اقتصاديات الحجم"؛ حيث تنخفض تكلفة المتر المكعب (UPC) طرديا مع زيادة سعة المحطة، والأهم في النموذج الصيني هو توزيع الاستخدام، حيث تخصص الصين 66.6% من مياهها المحلاة للقطاع الصناعي والبتروكيماويات، وهو ما يفتح أفقا لمصر لتوجيه محطات التحلية لدعم المشروعات الكبرى في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس بدلاً من الاعتماد الكلي على الاستخدام المنزلي فقط.
التقنيات ومعايير الجدوى الاقتصادية
يمثل البحث عن التوازن بين الجدوى الاقتصادية والاستدامة البيئية حجر الزاوية في اختيار التقنيات الأنسب لمحطات التحلية في مصر؛ إذ تؤكد دراسة Energies أن تقنية "التناضح العكسي" (RO) هي الخيار الأرخص عالمياً بمتوسط تكلفة 0.96 دولار للمتر المكعب، مقارنة بـ 2.5 دولار لتقنيات التقطير الحراري (MED). وهذا ما تدعمه دراسة "جامعة عين شمس" التي توضح أن محطات التناضح العكسي (RO) في مصر تتميز باستهلاك طاقة منخفض (3 - 5.5 كيلوواط ساعة/م³)، مما يقلل العبء الاقتصادي والبيئي مقارنة بالتقنيات الحرارية التي قد تستهلك 25.5 كيلوواط ساعة/م³.
رؤية فنية: التحلية الخضراء والإدارة الذكية
يتجاوز الطموح المصري في قطاع التحلية مجرد توفير المياه، ليصل إلى معايير الاستدامة البيئية والذكاء التقني في التشغيل؛ إذ يؤكد الدكتور عادل سليمان، الخبير في المشروعات المستدامة، أن النجاح الحقيقي لمشروعات التحلية لا يُقاس بحجم الإنتاج، بل بكفاءة دمج الطاقة المتجددة وإدارة "المحلول الملحي المرتجع" (Brine)..مشيرا الى أن التوجه العالمي، يركز على تقنيات "التخلص الصِفري من السوائل" (ZLD) لاستخراج المعادن ذات القيمة الاقتصادية من المياه المرتجعة، مما يحول التحدي البيئي إلى فرصة استثمارية.
ويضيف سليمان أن "التحول الرقمي" باستخدام الذكاء الاصطناعي أصبح ضرورة لمراقبة جودة المياه ولحظية استهلاك الطاقة، مما يجعل من التحلية خياراً تنافسياً مستداماً.
الحوكمة والأداء المؤسسي
وإلى جانب البعد التقني، يتطلب نجاح مشروعات التحلية إطارا مؤسسيا قويا يضمن المرونة في مواجهة التغيرات المناخية؛ فقد كشف تطبيق إطار (DECSI) ومؤشر "iWater" في دراسة أكاديمية متخصصة أن قطاع التحلية في مصر، رغم نموه الكمي، سجل تقييماً متوسطاً (2.68 من 5) في مؤشر "مرونة المناخ".. وتوصي الدراسة بضرورة توحيد الأطر التنظيمية بين الجهات المعنية، وتعزيز الشفافية في البيانات، مع التأكيد على أن الشراكات بين القطاعين العام والخاص هي المفتاح لجذب التكنولوجيا المتقدمة وتوطين الصناعة.
التوطين: رؤية الدولة للمستقبل
لا تكتفي الدولة بمجرد بناء المحطات، بل تضع نصب أعينها هدفا استراتيجيا يتجاوز التشغيل إلى توطين التكنولوجيا وضمان الاستقلال التقني؛ حيث يوضح الدكتور سيد إسماعيل، نائب وزير الإسكان، أن الدولة تركز على "توطين صناعة المهمات الكهروميكانيكية" وأغشية التحلية محلياً، لضمان استقلالية القرار التقني.. مشيرا إلى أن هذا التوطين يجب أن يرتكز على البحث العلمي، معتبراً أن دمج تقنيات الطباعة ثلاثية الأبعاد والمواد النانوية في تصميم الأغشية، سيضع مصر في مصاف الدول المتقدمة في اقتصاديات المياه.
وأشار إلى أن الشراكة الاستراتيجية مع القطاع الخاص والجامعات المصرية تعد المحرك الأساسي لنقل التكنولوجيا وتدريب الكوادر الوطنية، مما يضمن تشغيل وإدارة هذه المحطات وفقاً لأعلى معايير الكفاءة العالمية.
تطوير البنية التحتية: خطوات عملية نحو التوسع
وفي سياق ترجمة هذه الرؤية إلى واقع ملموس، تتجه الحكومة المصرية لتسريع وتيرة تنفيذ مشروعات التحلية عبر طرح مناقصات دولية كبرى بنظام الشراكة بين القطاعين العام والخاص (PPP).. وفي هذا الإطار، كشف عاطر حنورة رئيس وحدة المشاركة مع القطاع الخاص بوزارة المالية، عن اعتزام الدولة طرح محطتين جديدتين في محافظتي بورسعيد والسويس باستثمارات تقدر بنحو 1.6 مليار دولار.
وأوضح حنورة أن هذه الخطوة تأتي ضمن برنامج متكامل بالتعاون مع وزارة الإسكان، يستهدف إنشاء حزمة من المحطات الكبيرة والمتوسطة، مشيراً إلى أن مشروع محطة "العلمين الجديدة" -باستثمارات تناهز 170 مليون دولار- قد دخل بالفعل حيز التنفيذ بطرح كراسات الشروط، مع ترقب استقبال العروض خلال الربع الأخير من العام الجاري.
وتستهدف هذه المشروعات زيادة سعة الإنتاج اليومي من المياه المحلاة، التي تبلغ حالياً ما بين 1.5 إلى 2 مليون متر مكعب، وصولاً إلى مستهدف 8 - 9 ملايين متر مكعب يوميا بحلول عام 2050؛ لضمان إعادة هيكلة الموارد المائية وتوجيه حصص أكبر من مياه النيل لدعم قطاع الزراعة والتنمية المستدامة.
ورغم ما توفره تحلية مياه البحر من حلول واعدة، فإنها لا تزال تواجه عددا من التحديات، في مقدمتها ارتفاع تكاليف الإنشاء والتشغيل، واحتياجاتها الكبيرة للطاقة، إلى جانب ضرورة الإدارة الآمنة للمحلول الملحي المرتجع (Brine) للحد من آثاره البيئية على النظم البحرية.. ويرى خبراء أن تجاوز هذه التحديات يتطلب التوسع في الاعتماد على مصادر الطاقة المتجددة، وتطبيق أحدث التقنيات لرفع كفاءة استهلاك الطاقة، والاستفادة من المحلول الملحي في استخراج المعادن والعناصر ذات القيمة الاقتصادية، بما يحول أحد أبرز التحديات البيئية إلى فرصة استثمارية تدعم استدامة قطاع التحلية.
وفي المحصلة، لم تعد تحلية مياه البحر مجرد خيار تقني لمواجهة ندرة المياه، بل أصبحت ركيزة استراتيجية لتحقيق الأمن المائي ودعم أهداف التنمية المستدامة. ومع التوسع في توطين التكنولوجيا، وتعزيز البحث العلمي، والاعتماد على الطاقة المتجددة، وتطوير الشراكات مع القطاع الخاص، تمضي مصر نحو بناء اقتصاد مائي أكثر قدرة على مواجهة تحديات المستقبل، بما يعزز قدرة الدولة على مواجهة تحديات الشح المائى و يضمن استدامة الموارد المائية وتلبية احتياجات الأجيال القادمة.

