ورد سؤال إلى دار الإفتاء عبر موقعها الرسمي يقول السائل: انتشر مؤخرًا مقطع فيديو عبر مواقع التواصل الاجتماعي لإحدى الشخصيات العامة، ظهر فيه وكأنه يتحدث عن قضية مثيرة للجدل، قبل أن يخرج صاحب المقطع وينفي علاقته به، مؤكدًا أنه صُنع بالكامل باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي دون علمه أو موافقته، بينما أكد ناشر الفيديو أن الهدف منه كان الترفيه والمزاح فقط، فما حكم إنشاء واستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي، وبخاصة تقنية التزييف العميق (DeepFake)، لمحاكاة الأشخاص الأحياء صوتًا وصورة دون الحصول على إذنهم؟ وهل يختلف الحكم إذا كان الغرض من ذلك الدعابة أو التسلية؟
وأجاب الدكتور نظير محمد عياد، مفتي الجمهورية، بأن إنشاء أو استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي لمحاكاة الأشخاص الأحياء صوتًا أو صورة دون إذنهم، إذا كان الهدف منه اختلاق الوقائع أو تحريف الحقيقة أو تضليل الناس، فهو أمر محرم شرعًا، كما أنه يعد مخالفة يجرمها القانون لما يترتب عليه من أضرار تمس الأفراد والمجتمع، مؤكدًا أن هذه الممارسات تدخل في باب الكذب والتزوير والبهتان والاعتداء على حقوق الآخرين.
وأوضح مفتي الجمهورية أن التطور التكنولوجي في حد ذاته ليس محل تحريم، بل إن الشريعة الإسلامية تشجع كل وسيلة نافعة تخدم الإنسان وتحقق مصالحه، إلا أن استخدام هذه الوسائل يجب أن يكون منضبطًا بالقيم الأخلاقية والضوابط الشرعية، فلا يجوز تحويلها إلى أداة لنشر الأكاذيب أو تشويه السمعة أو الإساءة إلى الأشخاص أو إحداث البلبلة بين الناس.
وأضاف الدكتور نظير عياد أن ما يعرف بتقنية "التزييف العميق" إذا استُخدم لإظهار شخص على غير الحقيقة أو نسب أقوال أو أفعال إليه لم تصدر عنه، فإنه يمثل صورة من صور التدليس والخداع المحرم شرعًا، لما يترتب عليه من تضليل للرأي العام وإفساد للثقة بين الناس، فضلًا عن الاعتداء على الحقوق الشخصية والمعنوية لأصحاب هذه المقاطع.
هل يجوز ننشر هذه المقاطع بقصد المزاح؟
وأشار مفتي الجمهورية إلى أن الادعاء بأن هذه المقاطع تُنشر بغرض المزاح أو الترفيه لا يغير من الحكم الشرعي شيئًا، لأن المزاح لا يكون مبررًا للكذب أو تزوير الحقائق أو الإضرار بالآخرين، مؤكدًا أن الشريعة الإسلامية نهت عن كل ما يؤدي إلى خداع الناس أو نشر الفتن أو الإضرار بسمعة الأفراد، حتى وإن ادعى فاعله حسن النية أو قصد التسلية.
وأوضح أن الاستخدام المشروع لتقنيات الذكاء الاصطناعي يظل جائزًا إذا كان في إطار توثيقي أو تعليمي أو توعوي، وبشرط أن يعرض الوقائع كما حدثت دون تحريف أو تزييف، وأن يتم ذلك بعد الحصول على إذن صاحب الشأن، مع الالتزام الكامل بالضوابط الشرعية والقانونية، وألا يتضمن أي إساءة أو انتقاص من حقوق الآخرين.
وأضاف أن الإسلام يدعو إلى صيانة كرامة الإنسان وحفظ حقوقه، ويحرم كل ما يؤدي إلى الاعتداء على سمعته أو صورته أو مكانته بين الناس، مشددًا على أن استغلال التقنيات الحديثة في نشر الأخبار الكاذبة أو المقاطع المفبركة يمثل خطرًا كبيرًا على أمن المجتمع واستقراره، ويستوجب التحلي بالمسؤولية والأمانة في التعامل مع وسائل التكنولوجيا الحديثة.
وأكد الدكتور نظير محمد عياد أن الذكاء الاصطناعي من أهم أدوات العصر، ويمكن أن يسهم في خدمة العلم والتعليم والتنمية إذا أُحسن استخدامه، لكنه يتحول إلى وسيلة محرمة عندما يُستغل في التزييف والتدليس والإضرار بالناس، داعيًا إلى توظيف هذه التقنيات فيما يحقق المصلحة العامة ويحفظ القيم والأخلاق ويصون حقوق الأفراد، بعيدًا عن كل أشكال الخداع والتضليل.



