شهدت الأزمة بين الولايات المتحدة وإيران خلال الساعات الأخيرة تطورا لافتا، بعدما أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وقف الضربة العسكرية التي كانت تستهدف إيران، مؤكدا أن هناك "معالم لاتفاق" بدأت تتشكل لإنهاء التصعيد، في خطوة اعتبرها مراقبون تحولا مفاجئا من خيار القوة إلى مسار التفاوض، وسط ترقب إقليمي ودولي لما ستؤول إليه الاتصالات الجارية بين الجانبين.
وجاء إعلان ترامب بعد أيام من تصاعد التوتر العسكري والتهديدات المتبادلة، إذ أوضح أن قرار تعليق الضربة جاء بعد إحراز تقدم في الاتصالات السياسية، مع استمرار الجهود التي تقودها أطراف إقليمية لخفض التصعيد وإعادة فتح باب المفاوضات، مؤكدا أن وقف العمليات العسكرية مرهون بسرعة التوصل إلى اتفاق نهائي بين الأطراف.
وفي المقابل، تعاملت طهران بحذر مع تصريحات الرئيس الأمريكي، حيث شككت وسائل إعلام ومسؤولون إيرانيون في الرواية الأمريكية بشأن وجود اتفاق مكتمل، معتبرين أن بعض التصريحات الأمريكية تندرج ضمن الضغوط السياسية والنفسية، مع التأكيد على أن أي تفاهمات يجب أن تقوم على احترام السيادة الإيرانية ورفع الضغوط المفروضة عليها.
وتشير التقارير الدولية إلى أن التحركات الدبلوماسية الحالية تتضمن مناقشات تتعلق بوقف العمليات العسكرية، واستمرار الملاحة في مضيق هرمز، واستئناف الاتصالات بين واشنطن وطهران، إلى جانب بحث ملفات أمنية وإقليمية معقدة ظلت تمثل نقاط خلاف رئيسية خلال الأشهر الماضية.
ورغم إعلان تعليق الضربة، فإن الإدارة الأمريكية شددت على أن الخيار العسكري لم يرفع من الطاولة بشكل نهائي، وأن أي إخلال بالتفاهمات أو فشل للمفاوضات قد يدفع واشنطن إلى إعادة النظر في قرارها، وهو ما يبقي المنطقة في حالة ترقب، خاصة مع استمرار التحركات العسكرية الأمريكية في الشرق الأوسط.
وكشفت شبكة CBS News الأمريكية أن ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان أجرى اتصالا هاتفيا بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب، دعا خلاله إلى ضبط النفس وتجنب تنفيذ جولة جديدة من الضربات العسكرية ضد إيران.
ووفقًا للشبكة، ركز الاتصال على تداعيات أي استهداف للبنية التحتية الإيرانية، في ظل المخاوف من اتساع دائرة الصراع في المنطقة وتأثير ذلك على أمن الخليج واستقرار أسواق الطاقة.

كما أشار موقع Axios الأمريكي إلى أن ولي العهد السعودي أبلغ ترامب بمخاوفه من توجيه ضربات واسعة ضد منشآت إيرانية، ودعاه إلى تغليب الحلول الدبلوماسية وخفض التصعيد.
ومن جانبه، يقول الدكتور سعيد الزغبي، أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية، إن القرار الأمريكي بوقف الضربة في اللحظة الأخيرة لا يعكس تراجع عسكري بقدر ما يعكس انتقال إلى مرحلة جديدة من إدارة الأزمة فالولايات المتحدة بعد اشهر من الضغط العسكري والاقتصادي يبدوا أنها ترى أن ما يمكن تحقيقه بالقوة وصل إلى حدوده وأن فتح نافذة تفاوض الان قد يحقق مكاسب سياسية واستراتيجية بتكلفة أقل.

وأضاف الزغبي- خلال تصريحات لـ "صدى البلد"، أن ومن وجهة نظري، هناك خمس رسايل مهمة وراء هذا التطور:
١- ان واشنطن تريد الاحتفاظ بأداة الردع دون استخدامها حيث ان اعلان ترامب أن القوات الأمريكية جاهزة ومسلحة ثم تعليق الضربة يهدف إلى إبقاء الضغط النفسي والعسكري على طهران مع منحها فرصة للاستجابة دبلومسيان.
٢- الضغوط الإقليمية لعبت دور مهم حيث ان دول الخليج التي ستكون أول المتاثرسين بأي تصعيد واسع دفعت بقوة نحو احتواء الأزمة خشية تعرض البنية التحتية للطاقة والملاحة لهجمات انتقامية.
٣- إيران حققت هدف سياسي بمجرد تاجيل الضربة حتى لو لم تحصل على تنازلات كاملة فإن تجنب ضربة أمريكية جديدة يمنح القيادة الإيرانية فرصة لإعادة ترتيب أوضاعها الداخلية والعسكرية مع الاستمرار في التفاوض من موقع اقل ضغط.
وتابع: "٤- الملف الحقيقي ليس الضربة نفسها بل مضيق هرمز والبرنامج النوووو ى حيث ان الموءشرات الحالية توحي بأن النقاش يدور حول ضمان حرية الملاحة وخفض التوتر النووي وهي ملفات تعتبرها واشنطن أولويات استراتيجية تتجاوز مجرد تنفيذ ضربة عسكرية.
٥- المرحلة المقبلة ستكون اختبار للنوايا حيث إذا ابدتت إيران مرونة في تنفيذ ما يتم التوافق عليه فقد نشهد تهدءه تدريجية اما إذا تعثرت المفاوضات أو وقع هجوم جديد على المصالح الأمريكية أو حلفائها فمن المرجح أن يعود الخيار العسكري إلى الواجهة بسرعة".
واختتم: "ومن ثم فان وقف الضربة لا يعني انتهاء الأزمة بل يعني أن الصراع انتقل من مرحلة حافة المواجهة إلى مرحلة التفاوض تحت التهديدد فالطرفان لا يثق ببعضهما لكنهما يدركان ايضا أن الحرب الشاملة ستكون مكلفة للغاية ولذلك يحاول كل منهما تحسين موقعه التفاوضي دون الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة وشامله ".
والجدير بالذكر، أن المشهد لا يزال مفتوحا على عدة سيناريوهات، أبرزها نجاح الوساطات الإقليمية في تثبيت التهدئة واستئناف المفاوضات، أو عودة التصعيد إذا فشلت الاتصالات السياسية، وهو ما يجعل قرار ترامب بتعليق الضربة محطة مفصلية قد تعيد رسم طبيعة العلاقة بين واشنطن وطهران خلال المرحلة المقبلة.



