قناة صدى البلد البلد سبورت صدى البلد جامعات صدى البلد عقارات Sada Elbalad english
english EN
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل

د.محمد عسكر يكتب : النصب الإلكتروني في عصر الذكاء الاصطناعي

د. محمد عسكر
د. محمد عسكر

لم يعد الإنترنت مجرد مساحة نذهب إليها للبحث أو الترفيه، وإنما أصبح جزءًا أساسيًا من تفاصيل حياتنا اليومية. نشتري وندفع ونتواصل ونعمل ونتعلم وندير جانبًا كبيرًا من شؤوننا عبر الشاشات. ومع هذا التحول الكبير، لم تعد مخاطر العالم الرقمي مقتصرة على سرقة كلمة مرور أو الوقوع في رسالة احتيالية تقليدية، فقد دخلنا إلى مرحلة أكثر تعقيدًا أصبح فيها المحتال قادرًا على الاستفادة من الذكاء الاصطناعي لصناعة صورة أو صوت أو رسالة تبدو حقيقية إلى حد يصعب معه أحيانًا اكتشاف زيفها بالعين المجردة أو بالأذن وحدها.


المفارقة أن الذكاء الاصطناعي الذي فتح أمام البشرية أبوابًا واسعة للتقدم والابتكار، يمكن أن يتحول في يد المحتال إلى أداة لصناعة الخداع على نطاق غير مسبوق. لم يعد المحتال في حاجة إلى مهارات تقنية استثنائية حتى يصنع رسالة مقنعة أو ينتحل شخصية شخص آخر. أصبحت الأدوات متاحة، والقدرة على إنتاج محتوى شديد الإقناع تتزايد يومًا بعد يوم، وهو ما ينقل معركة الأمن الرقمي من مجرد حماية الأجهزة والبرامج إلى حماية الإنسان نفسه من التلاعب النفسي والعاطفي.


ولعل أخطر ما تغير هو أن المحتال لم يعد يحاول فقط اختراق جهاز، وإنما يحاول اختراق الثقة. قد تصل إلى المواطن رسالة تبدو وكأنها صادرة عن بنك، أو شركة شحن، أو مؤسسة معروفة، وقد تتضمن رابطًا مصممًا بعناية يقوده إلى صفحة تشبه الموقع الأصلي. وقد يتلقى شخص مكالمة بصوت قريب له يطلب منه تحويل مبلغ مالي بسبب ظرف طارئ. وفي مثل هذه الحالات لا يكون الهدف الأول هو إقناع الضحية بحقيقة تقنية معقدة، وإنما دفعه إلى اتخاذ قرار سريع قبل أن تتاح له فرصة التفكير.


وهنا تظهر أهمية الاستعجال باعتباره أحد أكثر أسلحة الاحتيال فاعلية. المحتال يريد أن يجعل الضحية خائفًا أو متوترًا أو متحمسًا، لأن الإنسان في لحظة الانفعال يكون أكثر استعدادًا لاتخاذ قرارات لا يتخذها في الظروف الطبيعية. رسالة تقول إن الحساب سيتوقف خلال دقائق، أو إن هناك جائزة يجب الحصول عليها فورًا، أو إن أحد أفراد الأسرة في مأزق ويحتاج إلى المال الآن، كلها نماذج تعتمد على إلغاء المسافة بين الإنسان وقراره. ولذلك فإن أول خطوة في مواجهة الاحتيال ليست تقنية بالضرورة، وإنما هي أن نتعلم التمهل.


في عصر الذكاء الاصطناعي لم يعد الصوت دليلًا قاطعًا على الهوية. يمكن استنساخ صوت شخص حقيقي واستخدامه في مكالمة احتيالية، كما يمكن إنتاج صور وفيديوهات مزيفة لشخصيات عامة أو لأشخاص عاديين. وهذا يعني أن المواطن لم يعد يستطيع الاعتماد على حواسه وحدها كما كان يفعل في الماضي. إذا اتصل شخص بصوت قريب منك وطلب منك تحويل أموال، فإن التصرف الأكثر أمانًا هو إنهاء المكالمة والاتصال به بنفسك على الرقم المعروف لديك. وإذا وصلت رسالة باسم بنك أو مؤسسة، فمن الأفضل فتح التطبيق الرسمي أو كتابة عنوان الموقع بنفسك بدلًا من الضغط على الرابط الذي أرسلته الرسالة.


وهذه القاعدة تقودنا إلى مفهوم أصبح أكثر أهمية من أي وقت مضى، وهو التحقق المستقل. في الماضي كان السؤال الأساسي أمام المستخدم هو: هل هذه الرسالة حقيقية أم مزيفة؟ أما اليوم فأصبح السؤال الأكثر أهمية: كيف يمكنني التأكد من مصدرها؟ إذا جاءك طلب مالي عبر رسالة، فلا تكتفِ بالرد عليها. ابحث عن وسيلة أخرى للتواصل. وإذا وصلتك معلومة مثيرة أو صادمة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، فلا تجعل انتشارها دليلًا على صحتها. ابحث عن مصدرها الأول، وقارنها بمصادر موثوقة ومستقلة.


ولا يقل خطر كلمات المرور عن خطر الروابط المزيفة. ما زال استخدام كلمة مرور واحدة لأكثر من حساب من أكبر الأخطاء التي يمكن أن يرتكبها المستخدم. فإذا تسربت كلمة المرور من خدمة واحدة، يصبح من الممكن تجربتها على حسابات أخرى. ولذلك فإن استخدام كلمة مرور مختلفة لكل حساب، والاستعانة بمدير كلمات مرور موثوق، وتفعيل المصادقة متعددة العوامل، تمثل طبقات أساسية في حماية الحياة الرقمية. المصادقة متعددة العوامل لا تجعل الحساب محصنًا بصورة مطلقة، لكنها تضيف حاجزًا مهمًا، بحيث لا تكون معرفة كلمة المرور وحدها كافية للدخول.


ومن الضروري أيضًا أن ندرك أن الذكاء الاصطناعي لا يجعل كل رسالة أو مكالمة مشبوهة تلقائيًا، كما أن التكنولوجيا نفسها ليست عدوًا للإنسان. المشكلة تبدأ عندما تتحول الأدوات إلى وسائل للتلاعب والابتزاز وسرقة الأموال والبيانات. ولهذا فإن الحل لا يمكن أن يكون بالابتعاد عن التكنولوجيا، فهذا لم يعد ممكنًا ولا منطقيًا، وإنما بتطوير ثقافة رقمية توازي سرعة التطور التقني.


هذه الثقافة تبدأ من الأسرة والمدرسة والجامعة ومكان العمل، ولا ينبغي أن تظل مسؤولية خبراء التكنولوجيا وحدهم. علينا أن نعلّم أبناءنا ألا يشاركوا رموز التحقق، وأن يتعاملوا بحذر مع الروابط والرسائل المفاجئة، وأن يعرفوا أن صورة الشخص أو صوته لم تعد دليلًا كافيًا على هويته. كما ينبغي أن يحصل كبار السن على اهتمام خاص، لأن المحتال غالبًا ما يستغل الثقة وقلة الخبرة التقنية، ويعتمد على الضغط النفسي أكثر مما يعتمد على التعقيد التقني.
وربما يكون التحدي الأكبر الذي يفرضه الذكاء الاصطناعي علينا هو أنه يعيد تعريف علاقتنا بالحقيقة. كنا في الماضي نقول إننا نصدق ما تراه أعيننا أو ما تسمعه آذاننا، أما اليوم فقد أصبح علينا أن ندرك أن الصورة والصوت يمكن أن يكونا مصنوعين بدرجة عالية من الإتقان. ولذلك فإن التفكير النقدي لم يعد ترفًا ثقافيًا، بل أصبح مهارة من مهارات الأمن الشخصي.


المستقبل لن يكون بالضرورة عالمًا لا نستطيع فيه معرفة الحقيقة، لكنه سيكون عالمًا نحتاج فيه إلى بذل جهد أكبر للوصول إليها. وكلما ازدادت قدرة التكنولوجيا على تقليد الواقع، ازدادت حاجتنا إلى السؤال والتحقق والمقارنة. لن يكون الإنسان الأكثر أمانًا هو الذي يرفض التكنولوجيا، ولا الذي يصدق كل ما تعرضه شاشته، وإنما الإنسان الذي يعرف كيف يستخدمها دون أن يسمح لها بأن تعطل حكمه العقلي.


وفي النهاية، فإن المعركة ضد النصب الإلكتروني في عصر الذكاء الاصطناعي ليست معركة بين الإنسان والآلة بقدر ما هي معركة بين الوعي والاستسهال. المحتال يحتاج إلى لحظة واحدة من الاندفاع، بينما يحتاج المواطن إلى لحظة واحدة من التمهل حتى يقطع عليه الطريق. ولهذا ربما تكون القاعدة الأهم في حياتنا الرقمية الجديدة بسيطة للغاية: لا تصدق لأن الشيء يبدو حقيقيًا، ولا تشارك لأن الجميع يشاركونه، ولا تضغط لأن الرسالة تطلب منك ذلك فورًا. توقف، واسأل، وتحقق. ففي عالم تستطيع فيه الآلة أن تقلد الحقيقة، يصبح الوعي الإنساني هو خط الدفاع الأول والأهم.