قفزت تكاليف الاقتراض الحكومي في أكبر اقتصادات العالم إلى مستويات قياسية، تحت ضغط المخاوف من استمرار التضخم واتساع العجز المالي، إلى جانب موجة إصدارات السندات المرتبطة بتمويل استثمارات الذكاء الاصطناعي، ما زاد الضغوط على أسواق الدين العالمية ورفع أعباء الاقتراض على الحكومات.
وقالت صحيفة "فاينانشيال تايمز" إن عائد سندات الخزانة الأمريكية بنهاية تعاملات الثلاثاء لأجل 30 عاماً وصل إلى 5.34%، وهو أعلى مستوى منذ عام 2007، بعد أن كان أقل من 5% في بداية الشهر. كما ارتفعت عوائد السندات الأوروبية طويلة الأجل، مع تسجيل عائد السندات الألمانية لأجل 30 عاماً 3.78%، وعائد السندات الفرنسية لنفس الأجل 4.91 في المائة.
وأرجع كبير الاقتصاديين الأوروبيين في مجموعة "جيفريز" الأمريكية ، موهيت كومار، ارتفاع عوائد السندات إلى تأثير أسعار النفط المرتفعة، مشيرا إلى أن المخاوف من التضخم بدأت تسيطر مع بلوغ سعر النفط 90 دولاراً للبرميل.
وفي المملكة المتحدة، ارتفع عائد السندات الحكومية لأجل 30 عاماً إلى 5.86%، وهو ما يلامس أعلى مستوى له منذ عام 1998. وعلى نفس الوتيرة سارت السندات الحكومية لأجل 30 عاماً في اليابان، حيث ارتفعت العوائد أيضاً لتصل إلى 4.16 في المائة.
ولفتت الصحيفة البريطانية إلى أن تكاليف الاقتراض الحكومي سجلت قفزات مشهودة منذ بداية النزاع في الشرق الأوسط حيث تسبب ارتفاع أسعار الطاقة في إثارة مخاوف الأسواق والمستثمرين.
وأشارت إلى أن أسعار "خام برنت" القياسي العالمي بلغت 90 دولاراً للبرميل في بعض التعاملات، ما أثر سلباً على السندات الحكومية.
ويشير كومار إلى أن المخاوف المالية عادة ما تتصاعد مع ارتفاع حجم الديون، إذ وصل الدين الأمريكي إلى 40 تريليون دولار، الأمر الذي أثار قلق المستثمرين من احتمالات أن ترغم الحكومات على إنفاق المزيد من المخصصات المالية لمواجهة الأزمات وحماية المستهلكين والشركات من تداعيات ارتفاع أسعار الطاقة.
كان استطلاع أجراه "بنك أوف أمريكا" أظهر أن السندات هي من بين أقل فئات الأصول تعرضاً من قبل المستثمرين، مقارنة بمؤشرات الأسهم التي لاقت إقبالاً وحققت أعلى مستوياتها منذ 2021.
ويعلق رئيس قسم بحوث الأسواق العالمية في بنك "إم يو إف جي"، ديريك هالبيني، قائلاً إن الوضع المتدهور في الشرق الأوسط يفاقم المخاوف بشأن التضخم، والوضع المالي الأمريكي، قائلاً: "ليس لدى الحكومة الأمريكية أدنى رغبة في معالجة عجزها المالي".
وقد تأثرت تداولات الأسهم سلباً بالتراجع الذي مني به موشرا "ستاندرد آند بورز 500" و"ناسداك 100" للأسهم التكنولوجية، مع ارتفاع العوائد.
ويقول المحلل الاستراتيجي للمؤشرات العالمية الكلية في شركة "آر بي سي كابيتال ماركتس"، بيتر شافريك، إن تقارير الأداء الاقتصادي السيئة التي صدرت الأسبوع الماضي، زادت من مخاوف المستثمرين حيال السندات طويلة الأجل، معتبراً أن مسألة ارتفاع تكاليف الاقتراض طويلة الأجل بمنزلة "سردية استمرت قبل سنوات عدة، ولم تنته بعد".
ونقلت صحيفة "فاينانشيال تايمز" عن ْرئيس قسم أبحاث أسعار الفائدة الأمريكية في بنك "باركليز"، أنشول برادان، قوله: "نعتقد أن هناك ثلاثة عوامل مؤثرة في عمليات بيع سندات الخزانة طويلة الأجل: توقعات عجز الموازنة، وإصدارات الشركات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، وتغير قاعدة مشتري سندات الخزانة".
وأشارت إلى أن شركات التكنولوجيا الكبرى تتجه بشكل متزايد إلى أسواق الدين الأجنبية لتمويل إنفاقها الضخم على استثمارات الذكاء الاصطناعي، مع التركيز بشكل خاص على إصدار سندات طويلة الأجل.
ويتوقع بنك "باركليز" أن يصل إجمالي إصدارات السندات ذات التصنيف الاستثماري في عام 2026 إلى مستوى قياسي يبلغ 1.9 تريليون دولار، مقارنة بـ1.44 تريليون دولار في العام الماضي.
وأضاف برادان أن "حجم ومدة استحقاق اقتراض الشركات المرتبط بالذكاء الاصطناعي"، في الجزء الأطول من منحنيات العائد، يساهم في "مطالبة المستثمرين بتعويضات أكبر لاستيعاب المعروض [من الشركات والحكومة]".
ويرى مراقبون أن عمليات البيع المكثفة للديون طويلة الأجل تزامنت مع زيادة في حدة منحنيات العائد للسندات الحكومية على مستوى العالم، حيث اتسع الفارق بين تكاليف الاقتراض قصيرة الأجل وطويلة الأجل.
ورغم الزيادة الملحوظة في تكاليف الاقتراض بين الاقتصادات الكبرى، سجلت عوائد السندات الصينية لأجل 10 سنوات و30 عاماً، تراجعاً بسبب استمرار ضعف نمو الاقتصاد الصيني.