تأتي الزيارة المرتقبة للرئيس الصيني شي جين بينج إلى مصر في توقيت بالغ الأهمية، بالتزامن مع مرور 70 عامًا على إقامة العلاقات الدبلوماسية بين القاهرة وبكين، ونحو عشر سنوات على آخر زيارة للرئيس الصيني إلى القاهرة، وسط تحولات إقليمية ودولية متسارعة، وتطورات متلاحقة في منطقة الشرق الأوسط والعالم.
وتكتسب الزيارة أهمية خاصة في ضوء ما شهدته العلاقات المصرية الصينية خلال السنوات الماضية من تطور، وصولًا إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية الشاملة، وما صاحب ذلك من توسع في الاستثمارات والمشروعات الصينية في مصر، خاصة في مجالات البنية التحتية والطاقة والنقل والاتصالات، إلى جانب تنامي التعاون في المجالات التكنولوجية والصناعية.

وفي حوار خاص مع «صدى البلد»، يتحدث السفير محمود علام، سفير مصر الأسبق لدى الصين، عن دلالات زيارة الرئيس شي جين بينج إلى مصر، ورسائلها السياسية والاقتصادية، ومستقبل الشراكة بين القاهرة وبكين، وفرص توطين التكنولوجيا الصينية وزيادة الاستثمارات والصادرات المصرية إلى السوق الصينية، فضلًا عن الدور الذي يمكن أن تلعبه مصر في تعزيز الشراكة الصينية في أفريقيا.
كما يتناول الحوار أهمية منطقة قناة السويس بالنسبة للاستثمارات الصينية، ومستقبل مبادرة الحزام والطريق، وإمكانية الاستفادة من التجربة التنموية الصينية، إلى جانب الملفات الإقليمية والدولية التي يمكن أن تكون حاضرة على مائدة القمة المصرية الصينية.

دلالات الزيارة ورسائلها السياسية
كيف تقرأون دلالات زيارة الرئيس الصيني شي جين بينج إلى مصر في هذا التوقيت، خاصة أنها تأتي بعد نحو عشر سنوات من آخر زيارة له إلى القاهرة، وبالتزامن مع مرور 70 عامًا على إقامة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين؟
قال السفير محمود علام، سفير مصر الأسبق لدى الصين، إن زيارة الرئيس الصيني شي جين بينج المرتقبة إلى مصر هذا الشهر تتجاوز كونها زيارة بروتوكولية أو احتفالية بمناسبة مرور 70 عامًا على إقامة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، أو مرور عشر سنوات على آخر زيارة للرئيس الصيني إلى مصر، مؤكدًا أنها تأتي في إطار التطورات التي تشهدها العلاقات المصرية الصينية.
وأضاف أن الزيارة تأتي أيضًا في سياق ما حققته الصين وانطلاقها على الساحة العالمية باعتبارها قوة عظمى، لها مصالحها ولها رؤيتها لعالم جديد، وتسعى إلى تطوير علاقاتها مع قوى ودول تمثل ركائز مهمة في مناطق رئيسية من العالم، خاصة في ظل ما تشهده مناطق مثل الشرق الأوسط من تحديات وصراعات.
وأوضح أن هذه التحديات تتمثل، من بين أمور أخرى، في الحرب الإيرانية الأخيرة وتأثيراتها على إمدادات الطاقة وحرية الملاحة وغيرها، مشيرًا إلى أن الصين، في إطار مبادرة الحزام والطريق وعلاقاتها مع الدول الأفريقية، تسعى إلى بناء شراكات مع دول تمثل ركائز مهمة في محيطها.
وأشار علام إلى أن مصر تقف في موقع متقدم بين دول المنطقة ودول القارة الأفريقية، سواء بفضل موقعها الاستراتيجي المهم لحركة التجارة الصينية، خاصة عبر منطقة قناة السويس، أو من خلال قدرتها على خلق شراكات مع ركائز يمكن أن تمثل نقاطًا ونماذج ناجحة للتنمية في الدول المحيطة بها.
وأكد أن مصر، في ضوء جهود التنمية التي تشهدها، قادرة على تحقيق هذا النموذج، لافتًا إلى أن الجانب المصري يرى في الشراكة مع الصين فرصة مهمة لتحقيق طموحاته في مجال التنمية وجذب الاستثمارات وتنويع الاقتصاد في مجالات مختلفة، من الطاقة المتجددة إلى صناعة السيارات وغيرها من المجالات.
ما الرسائل السياسية التي تحملها الزيارة بالنسبة للعلاقات المصرية الصينية، في ظل التحولات الإقليمية والدولية المتسارعة؟
قال علام إن الزيارة تمثل خطوة متقدمة في بناء الشراكة الاستراتيجية الشاملة التي تمت بين مصر والصين عام 2014، والبناء على ما تم إنجازه فيها، ووضع رؤية لتطوير هذه الشراكة إلى أبعاد جديدة ومتنامية، سواء في التعاون الثنائي أو في التعاون بشأن القضايا الإقليمية أو العالمية.
وأوضح أن ذلك يشمل أيضًا التعاون في إطار المبادرات الصينية في مجال التنمية العالمية والأمن العالمي والحوكمة العالمية، التي تسعى إلى بناء عالم جديد أكثر توازنًا، وهو ما يحتاج إلى تفاعل بين الشركاء الأساسيين، ومنهم الشراكة المصرية الصينية.
إلى أي مدى تعكس الزيارة مستوى الشراكة الاستراتيجية بين القاهرة وبكين؟
أجاب السفير محمود علام بأن العلاقات شهدت خلال الأعوام الأخيرة، وخاصة منذ الزيارة الأخيرة للرئيس الصيني، العديد من التطورات في مجال إنجاز هذه الشراكة، وخاصة في مشاركة الشركات الصينية في مشروعات قومية واستراتيجية مهمة في مصر في مجالات البنية التحتية والصناعات المختلفة.
وأوضح أن الشركات الصينية شاركت، على سبيل المثال، في منطقة الأعمال المركزية بالعاصمة الإدارية الجديدة، وإنشاء القطار الكهربائي الخفيف، ومشروعات الطاقة والاتصالات.
وأضاف أن الاستثمارات الصينية التي بدأت في منطقة تيدا بالعين السخنة أصبحت قاعدة رئيسية انطلقت منها الاستثمارات الصينية إلى المنطقة الاقتصادية لقناة السويس ومناطق أخرى في مصر.
وأشار إلى أن البرنامج التنفيذي للشراكة الاستراتيجية الشاملة بين الجانبين خلال الفترة من 2024 إلى 2028 يعمل على تحويل الإرادة السياسية إلى مشروعات ملموسة.
_1829_063958.jpg)
10 سنوات من التطور... ماذا تحقق في العلاقات المصرية الصينية؟
كيف تقيمون مسار العلاقات المصرية الصينية خلال السنوات العشر الماضية، وما أبرز التحولات التي طرأت عليها؟
قال علام إن العلاقات المصرية الصينية شهدت تطورًا واضحًا خلال السنوات الأخيرة، سواء على مستوى المشروعات أو الاستثمارات أو التعاون الاقتصادي والتنموي، موضحًا أن المشاركة الصينية لم تعد مقتصرة على مجال واحد، وإنما امتدت إلى عدد من المشروعات القومية والاستراتيجية.
ولفت إلى أن حجم التبادل التجاري بين البلدين بلغ، وفق الأرقام التي ذكرها، 19.5 مليار دولار في عام 2024، مقابل 17.7 مليار دولار في عام 2023، بزيادة تقارب 12%.
وأضاف أن حجم التبادل التجاري شهد نموًا متزايدًا كل عام، كما يوجد في مصر حتى الآن أكثر من 3 آلاف شركة صينية، باستثمارات إجمالية تتجاوز 8 مليارات دولار.
وأكد أن الأهم خلال المرحلة المقبلة هو ما يمكن أن تحققه الزيادة في حجم ونشاط هذه الاستثمارات، وتطوير نشاط الشركات الموجودة وتعظيم الاستفادة منها.
الاستثمارات الصينية.. من زيادة الحجم إلى توطين التكنولوجيا
في ظل المشروعات الصينية الكبرى في مصر، كيف يمكن للزيارة أن تدفع الاستثمارات الصينية إلى مستويات جديدة؟
قال السفير محمود علام إن الزيارة تأتي للبناء على ما تم إنجازه ووضع قاعدة صلبة أصبحت أساسًا للشراكة الاستراتيجية الشاملة، مشيرًا إلى زيادة عدد وحجم الاستثمارات الصينية، لكنه يرى أن الزيارة يمكن أن تعطي دفعة نوعية لهذه الاستثمارات، سواء في مجالات جديدة أو من خلال تطوير ما هو قائم بالفعل.
وأوضح أن من بين المجالات التي يمكن أن تشهد مزيدًا من التعاون تصنيع الخلايا والألواح الشمسية وأنظمة تخزين الطاقة، ومواد التغليف، وتوربينات الرياح، إلى جانب ما تم البدء فيه لتحقيق توليد يصل إلى 2000 ميجاوات من طاقة الرياح.
وأشار كذلك إلى مشروعات تصنيع البطاريات وتخزين الطاقة، مؤكدًا أن الزيارة يمكن أن تضيف بعدًا مهمًا يتمثل في مزيد من نقل التكنولوجيا الصينية الحديثة إلى الجانب المصري، ومزيد من توطين هذه الصناعات، ومزيد من مشاركة الجانب المصري في هذه الصناعات.
كيف يمكن لمصر الاستفادة من نقل التكنولوجيا الصينية وتوطين الصناعات الجديدة؟
أوضح علام أن الأمر لا يتعلق فقط بخلق العمالة المدربة الحديثة، وإنما أيضًا باستخدام مواد خام مصرية يتم تطويرها وتصنيعها، مشيرًا إلى إمكانية الاستفادة من الخامات والمواد النادرة التي يمكن أن تكون موجودة في سيناء، أو من الرمال السوداء وغيرها.
وأضاف أن هذه الصناعات يمكن أن تساعد في خلق قدرة ودعم قدرة مصر على التصدير وتوفير العملة الأجنبية وبناء قاعدة معرفية تبني قدرات وطنية، يمكن معها في المستقبل أن تخلق مصر، كما خلقت الصين نفسها، صناعات خاصة بها مبنية على خبراتها وقدراتها المعرفية واستيعابها للتكنولوجيا الحديثة لتصدرها إلى العالم.
قناة السويس.. من ممر للتجارة إلى "صناعة القيمة"
ما أهمية منطقة قناة السويس بالنسبة إلى الاستثمارات الصينية، وهل يمكن أن تتحول مصر من مجرد ممر للتجارة إلى مركز صناعي يخدم الأسواق العالمية؟
قال علام إن منطقة قناة السويس تعتبر ذات قيمة مهمة في تحقيق العبور إلى ما وصفه بـ «صناعة القيمة» ، بحيث تكون هذه الصناعة مرتبطة باحتياجات الأسواق الخارجية، سواء في أفريقيا أو أوروبا أو حتى آسيا.
وأوضح أن الهدف هو أن تنتقل المنطقة من مجرد الحصول على مزايا الرسوم وعبور التجارة إلى المشاركة في جانب من هذه التجارة وتحقيق قيمة مضافة من خلال إقامة صناعات تستفيد من الموقع الاستراتيجي لمصر وتوجه منتجاتها إلى الأسواق الخارجية.
هل يمكن أن تزيد الاضطرابات التي تشهدها حركة الملاحة من أهمية مصر بالنسبة للاستثمارات الصينية؟
أشار السفير محمود علام إلى أن الاضطرابات التي تشهدها الملاحة، سواء في منطقة الخليج أو حتى في منطقة باب المندب، تجعل من الاستثمار الصيني في مصر أمرًا مهمًا، لوضع الصناعات الصينية في مناطق يمكن الانطلاق منها إلى مناطق جديدة.
وأضاف أن ذلك يمكن أن يساعد أيضًا في تجنب ما تواجهه الصادرات الصينية من قيود قد يفرضها الواقع في ظل تطور العلاقات التجارية بين الصين والولايات المتحدة، ولجوء إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى فرض قيود وإجراءات تجارية وغيرها.

الصين وأفريقيا.. مصر قاعدة للشراكة في أسواق ثالثة
ما أهمية مصر بالنسبة إلى مبادرة الحزام والطريق الصينية، خصوصًا في ظل موقع قناة السويس؟
قال علام إن نجاح مبادرة الحزام والطريق التي أطلقتها الصين يأتي من وجود شركات قوية عبر مسار هذه المبادرة، تمثل قواعد تنطلق منها الأنشطة والتفاعلات والتجارة والخبرات، وتكون هذه القواعد لديها المؤهلات والإمكانات اللازمة.
وأوضح أن مصر تتمتع بموقع طبيعي مهم في أفريقيا، إلى جانب وجود ممر مائي مهم مثل قناة السويس، وقربها من الأسواق الأوروبية، مؤكدًا أن على مصر أن تسعى إلى الانتقال في هذا المجال من مجرد الاستفادة من موقعها في حركة التجارة إلى دور أوسع.
وأضاف أن المطلوب ألا يكون التعاون مع الجانب الصيني قائمًا فقط على استفادة مصر من هذا الموقع، وإنما أن تتعاون مصر والصين معًا في أسواق ثالثة، خصوصًا في أفريقيا، مستفيدتين من القرب الجغرافي لمصر، وقدرتها المعرفية بالقارة، وشبكة علاقاتها، ومواقعها اللوجستية.
كيف يمكن دمج القدرات المصرية في أفريقيا مع التمويل والتكنولوجيا الصينية لتنفيذ مشروعات مشتركة؟
قال السفير محمود علام إن ذلك يمكن أن يتم من خلال دمج قدرات مصر في القارة مع قدرات التمويل والتكنولوجيا الصينية، في إطار متوازن يحقق مشروعات مشتركة في مجالات مثل الطاقة والزراعة والصحة والاتصالات.
وأوضح أن هذه المشروعات يمكن أن تخدم الدول الأفريقية وتنمي قدراتها أيضًا، حتى لا يكون التعاون مجرد تعامل مع أفريقيا باعتبارها أسواقًا أو ساحات نفوذ.
_1829_064454.jpg)
التكنولوجيا.. مصر مطالبة ببناء قدراتها وليس استيراد الأجهزة فقط
ما المجالات التكنولوجية التي يمكن أن تمثل أولوية للتعاون المصري الصيني خلال المرحلة المقبلة؟
أكد علام أهمية التكنولوجيا والتوسع في تبادل المعرفة بين مصر والصين، سواء في مجال الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية، أو مراكز البيانات والاتصالات والإلكترونيات.
وأوضح أن ذلك يمكن أن يساهم في جعل مصر مركزًا إقليميًا في هذه المجالات، بما يدعم موقف مصر وفعالية المبادرات الصينية وقدرتها على التواصل من خلالها مع أطراف أخرى.
كيف يمكن ضمان ألا يقتصر التعاون التكنولوجي على استيراد الأجهزة والمعدات؟
شدد السفير محمود علام على أن المطلوب ليس فقط مجرد استيراد الأجهزة، وإنما تدريب الكوادر وإنشاء مراكز بحث وتطوير وزيادة المكون المحلي وتعزيز التعاون السيبراني في هذا المجال.
وأكد أن الهدف هو بناء قدرات مصرية مستدامة، والاستفادة بصورة أكبر من التكنولوجيا والخبرات الصينية، بحيث يتحول التعاون من مجرد نقل معدات إلى نقل معرفة وقدرات.
الصادرات المصرية إلى الصين.. فرصة تحتاج إلى رؤية واضحة
في ظل المبادرة الصينية المتعلقة بتخفيف القيود الجمركية على صادرات الدول الأفريقية، ما الفرص المتاحة أمام مصر لزيادة صادراتها إلى السوق الصينية؟
قال علام إن الزيارة تأتي في وقت قدمت فيه الصين مبادرة لإلغاء أو تخفيف القيود الجمركية لفترة زمنية على الصادرات من الدول الأفريقية، مشيرًا إلى أن على مصر أن تحقق من خلال هذه الزيارة فرصة للحصول على موافقات أو فرص لتصدير المزيد من المنتجات المصرية إلى السوق الصينية.
وأضاف أن ذلك ظهر مؤخرًا في اتفاق أُبرم في هذا المجال بقيمة 170 مليون دولار، لكن مصر تحتاج إلى برنامج ورؤية واضحة لاستكشاف السوق الصينية وزيادة صادراتها.
ما القطاعات التي يمكن لمصر أن تزيد صادراتها إلى الصين من خلالها، وما المطلوب من الجهات المعنية؟
أوضح علام أن مصر يمكنها زيادة صادراتها من المنتجات الزراعية والغذائية والدوائية والنسيجية والهندسية، مؤكدًا ضرورة أن تضطلع الجهات المعنية، سواء المجالس التصديرية أو اتحاد الصناعات أو منظمات الأعمال، بجهود أكبر لاستكشاف السوق الصينية وتقديم المنتجات المصرية بصورة جيدة.
وشدد على ضرورة كسب ثقة السوق الصينية من خلال الانتظام في التصدير، سواء من خلال الاهتمام بالنوعية أو الالتزام بمواعيد تسليم الرسائل والشحنات المصدرة وغيرها من المتطلبات.
القضايا الإقليمية والدولية على مائدة القمة
ما أبرز الملفات الإقليمية والدولية التي تتوقعون أن تكون حاضرة على مائدة القمة بين الرئيسين المصري والصيني؟
قال السفير محمود علام إن هناك عددًا من القضايا السياسية التي تحملها الزيارة وتكتسب أهمية خاصة في ضوء التغيرات الإقليمية والتشاور الدائم بين الجانبين.
وأوضح أن القضايا الإقليمية، خاصة تطورات القضية الفلسطينية منذ الحرب في غزة وممارسات سلطات الاحتلال الإسرائيلي في الضفة الغربية، ستكون من بين الملفات المطروحة، بالإضافة إلى الأوضاع في السودان وليبيا وأمن البحر الأحمر وتحولات الخليج، فضلًا عن مستقبل النظام الدولي بصورة عامة.
وأضاف أن هناك فرصة لأن تكون هذه الملفات مطروحة على مائدة القمة بين الرئيسين، إلى جانب بحث التشاور والتواصل المشترك بشأنها وآليات التعامل معها في المستقبل.
من الاستثمار إلى المعرفة.. ماذا يمكن أن تتعلم مصر من الصين؟
من واقع خبرتكم ومتابعاتكم للصين وعلاقاتها بالدول الأخرى، كيف تنظرون إلى فلسفة الصين في بناء الشراكات مع الدول؟
قال علام إنه من واقع خبراته ومتابعاته للصين وعلاقاتها بالدول الأخرى، فإنها تعمل على مبدأ ما يسمى «المكسب المشترك»، موضحًا أن الصين تعرف مصالحها وتعرف كيف تحقق المكاسب الخاصة بها، لكنها في الوقت نفسه منفتحة على إعطاء الآخرين الفرصة لتحقيق مصالحهم.وأضاف أن ذلك يمكن أن يساهم أكثر في بناء الشراكة بصورة موضوعية.
هل تكفي زيارة الرئيس الصيني وما قد تسفر عنه من اتفاقيات وقرارات لضمان تحقيق نتائج ملموسة؟
أوضح السفير محمود علام أن الزيارة وحدها، رغم ما يمكن أن تسفر عنه من تحقيق إرادة سياسية وقرارات أو اتفاقيات، فإن الأمر يتطلب من الجانب المصري أن تكون لديه الإرادة والآليات الكفيلة باستثمار نتائج هذه الزيارة، والاستفادة من المستوى الذي وصلت إليه العلاقات بين البلدين.
وأشار إلى أن ما يراه هو وجود رؤية استراتيجية صينية لإعطاء مصر أولوية خاصة في محيطها لتكون تطبيقًا للشراكة الاستراتيجية الشاملة.
كيف يمكن لمصر أن تستفيد من الخبرة الصينية، وليس فقط من الاستثمارات الصينية؟
قال علام إن هناك جانبًا مهمًا يمكن الاستفادة منه، مستشهدًا بمثل من الثقافة الصينية أو الحكمة الصينية يقول: «لا تعطني سمكة، ولكن علمني كيفية الصيد».
وأوضح أن تطبيق هذا المثل الشعبي الصيني يعني أن علينا أن نسعى إلى تعلم ما يمكن من الخبرة الصينية التي ترد إلينا، سواء من خلال المشروعات الكبيرة أو التعاون في المجالات المختلفة.
وأضاف أن ذلك يتطلب من مصر أن تكون منفتحة ليس فقط على جذب الاستثمارات التي تحقق للمستثمر مكاسب، وربما توفر فرص عمل وتضيف قدرًا من الدولارات أو العملة الأجنبية للاقتصاد، وإنما أن تستفيد أيضًا من التجربة التي خاضتها الصين نفسها.
كيف استفادت الصين من انفتاحها على الاستثمارات والشركات العالمية في بناء قدراتها الذاتية؟
أوضح علام أن الصين عندما انفتحت على العالم، قدمت للعالم كل الفرص التي تجذبه، واستقطبت الشركات العالمية والمستثمرين العالميين للعمل في الصين، لكنها كانت دائمًا تمتلك رؤية.
وأضاف أن الصين كانت ترى أن ما يقدم لها من شراكة، في مقابل ما يحصل عليه المستثمرون من تسهيلات ومزايا، يجب أن يتيح للجانب الصيني قدرًا من التعرف على التكنولوجيا الحديثة القادمة، والتقنيات والأساليب الجديدة، وتدريب الكوادر العملية والفنية وغيرها.
وأوضح أن الصين حققت من خلال ذلك عملية تعلم وبناء، وأن ما نشاهده من إنجازات صينية اليوم جاء من بناء قاعدة من المعرفة والعلم، وجذب المعرفة في الجوانب المختلفة والبناء عليها وتطويرها، حتى أصبح هناك ما يمكن وصفه بالبصمة الصينية.وأكد أن هذا هو المسار الذي يجب أن تسير عليه العلاقات، وكذلك الاقتصاد المصري.
التجربة التنموية الصينية.. ما الذي يمكن لمصر الاستفادة منه؟
هل تحتاج مصر إلى دراسات معمقة للتجربة التنموية الصينية بدلًا من الاكتفاء بدراسة العلاقات الثنائية؟
قال السفير محمود علام إنه يأمل أن يتحقق جانب آخر مهم، وهو وجود دراسات صينية معمقة في مصر، وليس مجرد دراسات سردية لما يحدث، أو تكرار أن الصين مهتمة بمصر وأن مصر لها موقعها وأهميتها الاستراتيجية، مؤكدًا أن كل هذه الأمور معروفة.
وأوضح أن المطلوب هو التعرف بصورة خاصة على التجربة التنموية الصينية التي حققت خلال نحو 40 عامًا أو أقل نقلة نوعية لم تحققها دول كبرى في قرن من الزمان، سواء الولايات المتحدة أو بريطانيا.
وأضاف أن ما حققته الصين يكتسب أهمية خاصة لأنه جاء من دولة نامية تتشابه ظروفها ومعاناتها مع دول كثيرة، ومنها دول المنطقة ومصر، ولذلك يجب الاطلاع على التجربة التنموية الصينية في جوانبها المختلفة.
وأكد ضرورة تحديد أولويات هذه التجربة التي تتوافق مع احتياجات مصر وظروفها ومجالات التنمية التي تسعى إلى تطويرها، والتعرف على كيفية رحلة الصين في تحقيق هذا التقدم والوصول إلى هذه النتائج.
ما أبرز جوانب التجربة الصينية التي ترون ضرورة دراستها والاستفادة منها في مصر؟
أوضح علام أن من المهم دراسة التجربة الصينية في القضاء على الفقر وتطوير القرية الصينية لتلحق بالمدن، وجذب الاستثمار وإدارة المناطق الاقتصادية.
وأشار إلى أن هناك أوجه تشابه بين مصر والصين في هذا المجال، موضحًا أن أساس التجربة الصينية كان قائمًا على الريف، وأن الريف كان دائمًا يعاني من فجوة كبيرة مقارنة بالمدن.
وأضاف أن هناك مجالات كثيرة يمكن دراستها والاستفادة منها، وفي مقدمتها كيفية تعامل الصين مع قضايا التنمية، وتحويل التجارب الناجحة إلى نماذج قابلة للتطوير والبناء عليها.
التعليم والجامعات والبحث العلمي.. تجربة صينية جديرة بالدراسة
وماذا عن التجربة الصينية في التعليم والجامعات والبحث العلمي والابتكار؟
قال السفير محمود علام إن التعليم يمثل مجالًا مهمًا آخر يمكن الاستفادة من التجربة الصينية فيه، موضحًا أن الجامعات الصينية مرت في مراحل معينة، ونتيجة لظروف تاريخية، خاصة خلال الثورة الثقافية، بظروف أدت إلى نوع من التأخر.
وأضاف أنها أصبحت الآن تتبوأ مواقع متقدمة في تصنيفات الجامعات العالمية، كما أصبحت عنصرًا مهمًا في البحث والابتكار، وربط العملية التعليمية ومخرجاتها باحتياجات السوق والتصنيع والتطور.
وأكد أن هذه التجربة تستحق الدراسة بصورة دقيقة، لمعرفة كيف استطاعت الصين الانتقال من هذه المراحل إلى بناء منظومة تعليمية وبحثية قادرة على دعم الاقتصاد والصناعة والابتكار.
مركز متخصص لدراسة التجربة الصينية في مصر
هل ترون أهمية لإنشاء مركز متخصص في مصر لدراسة التجربة الصينية ونقل المعرفة والخبرات؟
أكد علام أن الأمل هو أن يكون هناك اهتمام حقيقي لا يقتصر على عقد اللقاءات أو إصدار التصريحات، وإنما يصل إلى إنشاء مركز متخصص لدراسة التجربة الصينية في مصر.
وأشار إلى أن الصين تسعى، بحسب ما لديه من معلومات، إلى إقامة معهد أو مركز للدراسات الصينية في مصر.
وأوضح أن المطلوب أيضًا أن تكون هناك نوعية جديدة من التواصل والتعاون، بحيث تشمل التعرف على منظومة الإدارة والحوكمة التي يقوم عليها الحكم الصيني، موضحًا أنه رغم اختلاف النظام السياسي، فإن هناك أدوات كثيرة في الحكم والإدارة يمكن التعلم منها والاستفادة من خبراتها.
واختتم السفير محمود علام بالتأكيد على أن الأمل يتمثل في تحقيق جانبين أساسيين، أولهما الحصول على المعرفة، وثانيهما الدراسة الدقيقة لجوانب النجاح في التجربة الصينية، بما يسمح لمصر بتحديد ما يمكن الاستفادة منه وتطبيقه بما يتناسب مع احتياجاتها وظروفها، وتحويل الشراكة المصرية الصينية إلى مسار أكثر عمقًا واستدامة.