أوضح الدكتور نظير محمد عياد، مفتي الجمهورية، حكم الشرع الشريف في استقلال الذمة المالية بين الزوجين، مؤكدًا أن لكل واحد منهما ذمة مالية مستقلة استقلالًا تامًا عن الآخر، تشمل جميع أمواله، سواء كانت أموالًا سائلة أو عقارات أو أسهمًا أو غير ذلك من صور المال المختلفة.
وأكد مفتي الجمهورية أن الملكية الخاصة لكل من الزوجين تظل ثابتة ومصونة، ولا تتأثر بمجرد قيام عقد الزواج بينهما، كما لا يثبت لأحد الزوجين بموجب عقد الزواج حق في أموال الطرف الآخر، إلا في حدود ما رتبه الشرع أو ما اتفقا عليه وفق الضوابط المعتبرة شرعًا.
وأوضح أن نظام أموال الزوجين في الشريعة الإسلامية يقوم على استقلال الذمة المالية لكل منهما عن الآخر، فالزوجة تتمتع بأهلية التعاقد وحق التملك، ولها الحق في تحمل الالتزامات وإجراء مختلف العقود، كما تحتفظ بحقها في التملك وتكون مستقلة في ذلك عن زوجها.
وأشار إلى أن هذا الأصل يستند إلى ما قررته الشريعة الإسلامية من اختصاص كل إنسان بما يثبت له من الأموال، سواء كان المال ناشئًا عن سعيه وكسبه، أو آل إليه بسبب من أسباب الملك المعتبرة شرعًا، كالهبة والإرث وغير ذلك، مستشهدًا بقول الله تعالى: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ﴾ [النساء: 32].
ومن أبرز التطبيقات التي تؤكد استقلال الذمة المالية نظام الإرث، إذ جعل الله سبحانه وتعالى لكل فرد نصيبًا معلومًا مفروضًا يثبت له على وجه الاختصاص ويدخل في ملكه وذمته المالية استقلالًا، فلا يؤدي اجتماع الورثة في سبب الإرث، أو قيام رابطة النسب أو القرابة أو المصاهرة بينهم، إلى اختلاط أنصبتهم أو اندماج حقوقهم المالية.
ويستقل كل وارث بنصيبه الشرعي استقلالًا تامًا، ويثبت له من سلطان الملك ما يثبت لكل مالك في ملكه، ولا يشاركه فيه غيره إلا بسبب شرعي جديد ناقل للملكية.
ونقل مفتي الجمهورية ما ذكره الإمام أبو السعود في تفسيره «إرشاد العقل السليم» من أن لكل من الرجال والنساء في الميراث نصيبًا معين المقدار، بما يؤكد استحقاق كل منهما لنصيبه واختصاصه به بحيث لا يتخطاه إلى غيره.
كما أشار إلى ما جاء في «التفسير الوسيط» لفضيلة الأستاذ الدكتور محمد سيد طنطاوي، شيخ الأزهر ومفتي الديار المصرية الأسبق، من أن لكل من الرجال والنساء حظًا مقدرًا مما اكتسبوه من أعمال، ونصيبًا معينًا فيما ورثوه أو أصابوه من أموال.
ومما يؤكد كذلك استقلال الذمة المالية بين الزوجين ما قرره الفقهاء في أحكام الصداق، إذ إن المهر متى ثبت للزوجة ودخل في ملكها أصبح حقًا ماليًا خالصًا لها، ولا يملك الزوج إسقاطه بغير رضاها.
وأوضح أن اتحاد الذمة المالية بين الزوجين أو اعتبار عقد الزواج سببًا لاندماج أموالهما كان سيؤدي إلى عدم توقف إسقاط الصداق أو العفو عنه كليًا أو جزئيًا على إرادة الزوجة وموافقتها، وهو ما يؤكد انفرادها بملكيته.
واستشهد بقول الله تعالى: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ [النساء: 4].
كما أشار إلى ما ذكره الإمام ابن قدامة في «المغني» من أن المرأة إذا عفت عن صداقها الذي لها على زوجها، أو عن بعضه، أو وهبته له بعد قبضه وكانت جائزة الأمر في مالها، جاز ذلك وصح.
عقد الزواج لا يحكم المعاملات المالية
وأكد مفتي الجمهورية أن السنة النبوية جاءت كذلك مؤكدة لمعنى استقلال كل شخص بملكه، مستشهدًا بما روي عن حبان بن أبي جبلة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «كُلُّ أَحَدٍ أَحَقُّ بِمَالِهِ مِنْ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ»، أخرجه الإمامان الدارقطني والبيهقي في «السنن الصغرى» و«السنن الكبرى».
كما صدر في هذا الشأن قرار المجمع الفقهي الإسلامي الدولي المنبثق عن منظمة المؤتمر الإسلامي، رقم 144 (2/ 16)، خلال دورته السادسة عشرة المنعقدة في دبي عام 2005، والذي أكد أن للزوجة الأهلية الكاملة والذمة المالية المستقلة التامة، ولها الحق في إطار أحكام الشرع فيما تكسبه من عملها، كما أن لها ثرواتها الخاصة وحق التملك والتصرف فيما تملك، ولا سلطان للزوج على مالها، ولا تحتاج إلى إذنه في التملك والتصرف بمالها.
وأشارت أحكام محكمة النقض المصرية، في الطعن رقم 6294 لسنة 80 قضائية «أحوال شخصية»، جلسة 8 ديسمبر 2017، إلى أن الزواج في الشريعة الإسلامية لا يرتب أي حق للزوجين في أموال الآخر، عدا ما رتبه للزوجة من مهر ونفقة، إذ إن لكل منهما ذمته المالية المستقلة والمنفصلة.
وأوضحت المحكمة أن عقد الزواج لا يحكم المعاملات المالية بين الزوجين، وإنما تسري عليها القواعد العامة في القانون بحسب التكييف القانوني لكل معاملة.
وبناءً على ذلك، فإن لكل واحد من الزوجين ذمة مالية مستقلة استقلالًا تامًا عن الآخر، وتشمل جميع أمواله، سواء كانت أموالًا سائلة أو عقارات أو أسهمًا أو غير ذلك من صور المال المختلفة.
وتظل الملكية الخاصة لكل من الزوجين ثابتة ومصونة، ولا تتأثر بمجرد قيام عقد الزواج بينهما، كما لا يثبت لأحدهما في مال الآخر أي حق لمجرد الزواج، إلا ما رتبه الشرع أو ما اتفقا عليه في الحدود المعتبرة شرعًا.



