ناقشت الجلسة المفتوحة للجمهور «برمجة المهرجانات المسرحية الدولية: اختيار وتوزيع عروض الفنون الأدائية»، ضمن فعاليات الدورة الـ33 من مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي، آليات اختيار العروض في المهرجانات الدولية والمحلية، والطرق التي يعتمد عليها المبرمجون في اكتشاف التجارب الفنية، بعيدًا عن الاقتصار على نظام الدعوات المفتوحة، إلى جانب تأثير الإمكانات الإنتاجية والتمويلية على حركة العروض وانتقالها بين الدول.
أدارت الجلسة منى سليمان عضو اللجنة العليا لمهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي، وشارك فيها جون ماكغاث، رئيس مهرجان مانشستر الدولي والمدير الفني لمهرجان مانشستر الدولي للمسرح ومؤسسة Factory International بالمملكة المتحدة، والمخرج والمنتج أحمد العطار، المدير الفني لمهرجان دي-كاف، إلى جانب المنتج والمخرج المسرحي حسن كوياتي، رئيس اللجنة الفنية الدولية لـMASA «سوق الفنون الاستعراضية الأفريقية».
جون ماكغاث: نبحث عن الفنانين في العالم ونبدأ معهم حوارًا مبكرًا
استعرض جون ماكغاث طبيعة العمل في مهرجان مانشستر الدولي، موضحًا أن المهرجان يقام كل عامين، ويركز بصورة أساسية على الإنتاجات والتكليفات الفنية الجديدة، حيث تتم دعوة الفنانين لتطوير أعمال جديدة وتقديم عروضها الأولى في المهرجان.
وقال ماكغاث إن فريق المهرجان ينظر إلى الفنانين في مختلف أنحاء العالم، ويبدأ معهم حوارات حول المشروعات التي يمكن تطويرها مستقبلًا، موضحًا أن الأعمال تتنوع في أحجامها، فيما تتطلب المشروعات الكبيرة في كثير من الأحيان التعاون مع مهرجانات ومؤسسات فنية أخرى للمشاركة في تمويل إنتاجها.
وأشار إلى أن فريق الإنتاج في المهرجان يعمل بصورة وثيقة مع الفنانين على تطوير المشروعات، خاصة أن كثيرًا من الأعمال ذات طبيعة متعددة التخصصات، وتجمع فنانين من مجالات فنية مختلفة.
وأوضح أن اختيار الأعمال يتم بعدة طرق، فقد يتوجه المهرجان مباشرة إلى فنان يرغب في التعاون معه، أو يذهب فريقه لمشاهدة أعمال الفنانين، وقد تتحول مشاهدة أحد العروض إلى دعوة لإنتاج عمل جديد، كما يمكن أن تصل أفكار ومشروعات الفنانين إلى المهرجان عبر الموقع الإلكتروني، رغم أن المهرجان لا يعتمد نظام Open Call بالمعنى التقليدي.
وأكد ماكغاث أن عملية الاختيار تقوم على البحث والمشاهدة والاستكشاف والحوار، مشيرًا إلى وجود فريق قيّمي داخل المهرجان يضم إلى جانبه المدير الإبداعي وخبراء في الفنون البصرية والموسيقى والفنون الرقمية، إلى جانب مسؤول عن تطوير الفنانين المحليين والناشئين.
وأضاف أن عملية البرمجة لا تقتصر على هذا الفريق وحده، إذ يشارك العاملون في المهرجان بآرائهم واقتراحاتهم من خلال لقاءات دورية مفتوحة، وهو ما يتيح التعرف على فنانين وأعمال قد لا يكون الفريق الأساسي قد شاهدها، خاصة أن العاملين الأصغر سنًا يذهبون إلى العديد من الفعاليات والعروض.
ولفت إلى أن البرنامج يتطور على مدى فترة طويلة، نظرًا لأن المهرجان يقام كل عامين، موضحًا أن العمل على دورة 2029 بدأ بالفعل رغم أن دورة 2027 لم تقم بعد، وأن المهرجان ينتهي عادة إلى اختيار نحو 20 مشروعًا.
أحمد العطار: لا أبرمج لنفسي.. وإنما لجمهور متنوع
من جانبه، أوضح أحمد العطار أن آلية الاختيار في مهرجان دي-كاف تعتمد بدرجة كبيرة على السفر إلى المهرجانات المختلفة ومشاهدة العروض، سواء من خلال فريق البرمجة أو عبر وجوده شخصيًا في مهرجانات يقدم فيها أحد أعماله، بما يتيح له مشاهدة عروض أخرى والتعرف إلى تجارب جديدة.
وأضاف أن جزءًا مهمًا من الاختيارات يأتي أيضًا من معرفة الفنانين والعمل معهم سابقًا، حيث تسمح هذه الخبرة بفهم طبيعة أعمالهم والثقة في مشاريعهم الجديدة.
وأوضح أن الأمر يزداد صعوبة فيما يتعلق بالعروض العربية، بسبب صعوبة السفر بين البلدان العربية وقصر مدة عرض بعض الأعمال في بلدانها الأصلية، إذ قد يعرض العمل لمدة يومين أو ثلاثة أو أربعة أيام فقط، وهو ما يجعل الوصول إليه في الوقت المناسب أمرًا غير سهل.
وأشار إلى أن فريق دي-كاف يعتمد لذلك على مسارين متوازيين؛ أولهما متابعة الفنانين العرب الذين يعملون في مجال الفنون المعاصرة ومعرفة مشروعاتهم الجديدة، والثاني هو الدعوات المفتوحة التي يطلقها المهرجان في المنطقة لفترات تمتد عادة من شهرين إلى ثلاثة أشهر.
وقال العطار إن الاختيار النهائي يتم بين عروض جديدة يتابع الفريق إنتاجها، وأعمال تصل عبر الدعوات المفتوحة، موضحًا أن دي-كاف يهتم كذلك باكتشاف الفنانين الجدد في العالم العربي، خصوصًا في ظل محدودية المنصات التي تتيح لهؤلاء الفنانين الوصول إلى المهرجانات الدولية.
وتطرق إلى جلسات Pitching التي ينظمها المهرجان، والتي تتيح لأصحاب المشروعات الموجودة في مراحل الإنتاج تقديم مشروعاتهم أمام المبرمجين ومديري المهرجانات والمسارح، موضحًا أن دي-كاف استضاف في دورته الأخيرة نحو 120 مديرًا لمسرح ومهرجان من مختلف أنحاء العالم.
وأكد العطار أن البرمجة لا تعني أن يختار مدير المهرجان الأعمال التي تتوافق فقط مع ذائقته الشخصية، قائلًا إن هناك عروضًا قد تكون جيدة أو مهمة فنيًا حتى لو لم تكن بالضرورة من اختياراته الجمالية، لأن المهرجان لا يبرمج لنفسه، وإنما لجمهور متنوع.
وشدد على أهمية تعدد الآراء داخل فريق البرمجة، معتبرًا أن وجود أكثر من رؤية وذائقة فنية يثري عملية الاختيار، ويحول دون انطلاق البرنامج من وجهة نظر واحدة.
حسن كوياتي: طبيعة المهرجان تحدد طبيعة الاختيار
بدوره، قدم حسن كوياتي خلفية عن مهرجان Les Francophonies – Des écritures à la scène، موضحًا أنه يرتبط بالفضاء الفرنكوفوني ويجمع مشاركات من 93 دولة، وأن المهرجان يبلغ من العمر 43 عامًا، ويركز على الإبداع والإنتاج المسرحي الجديد.
وأشار إلى وجود بيت للكتاب والكاتبات المسرحيين يعود إلى 35 عامًا، واستضاف عددًا من الأسماء المعروفة، من بينها وجدي معوض وروبير لوباج وكوفي كواهولي وديودوني نياغونا، كما يضم المهرجان جانبًا للكتابات والقراءات المسرحية، إلى جانب الأعمال التي تصل إلى خشبة المسرح.
وأوضح كوياتي أن عملية الاختيار تعتمد على شبكة من الشركاء والجهات التي تتابع المشهد الفني في البلدان المختلفة، مشيرًا إلى أنه منذ توليه إدارة المهرجان قبل سبع سنوات وضع تركيزًا أكبر على الإبداع النسائي، من خلال مجموعات ومنح مخصصة للكاتبات المسرحيات، ثم تقديم النصوص المكتملة في مهرجان القراءات المسرحية، ودعوة المنتجين والمخرجين لمشاهدتها بما يفتح فرصًا لتحويلها إلى إنتاجات مسرحية.
وأضاف أن كل دورة من دورات المهرجان تضم نحو 20 مشروعًا لإنتاج عروض، على أن يكون للعمل فرص للتجوال في ثلاثة أماكن أو مهرجانات أخرى على الأقل بعد عرضه في المهرجان، ولا يقتصر ذلك على فرنسا، إذ يمكن للأعمال أن تنتقل إلى بلدان أخرى ضمن الفضاء الفرنكوفوني.
وأشار إلى أن المهرجان ينظم كذلك مشروعات خارج أسواره، ويخصص كل عام تركيزًا لمنطقة من العالم؛ موضحًا أن الدورة السابقة شهدت تركيزًا على العالم العربي، مع عروض من سوريا ولبنان والعراق والجزائر، بينما لم تشارك مصر في ذلك التركيز.
كما تحدث كوياتي عن دوره رئيسًا للجنة الفنية لـMASA – سوق الفنون الاستعراضية الأفريقية، مؤكدًا أن هذه المسؤولية تتيح له مشاهدة العروض من مختلف أنحاء أفريقيا وشتاتها، وأن فريقه يضم ستة أشخاص يسافرون إلى مناطق مختلفة من العالم لمتابعة الأعمال والعروض.
2443 مشروعًا أمام MASA.. والاختيار يتحول إلى رهان على الجديد
وأوضح كوياتي أن طبيعة الاختيار تختلف باختلاف طبيعة الفعالية والجمهور المستهدف؛ ففي MASA، باعتباره سوقًا فنيًا، تتم البرمجة لصالح المشترين ومديري المسارح والمهرجانات، مشيرًا إلى أن الدورة الأخيرة تلقت 2443 مشروعًا، وتم تخصيص عام كامل للجنة الاختيار من أجل الوصول إلى نحو 250 عرضًا أو مشروعًا.
وأشار إلى أن لجنة الاختيار تضم 22 شخصًا من القارات الخمس، وتتابع مجالات المسرح والرقص والموسيقى والسيرك والفنون البصرية والمسرحيات والدمى، كما شهدت الدورة الأخيرة حضور 361 مبرمجًا من 79 دولة.
وفي المقابل، وصف كوياتي الاختيار في مهرجان الفرنكوفونية بأنه أقرب إلى البحث التجريبي عن الأعمال الجديدة، لأن المبرمج لا يعرف بالضرورة نتيجة المشروع مسبقًا، وإنما يضع ثقته في الفنان والمشروع ويقبل الدخول في هذه التجربة.
وأكد أن إنتاج عمل جديد يحتاج إلى من يراهن عليه ويمنح الفنانين الثقة اللازمة، مشيرًا إلى أن بعض المشروعات قد تكون جديدة تمامًا وربما لا يعرف أحد مسبقًا كيف ستكون رحلتها بعد العرض الأول.
وقال إن المهم في النهاية هو أن تقدم الأعمال «مرايا مختلفة» يستطيع الجمهور من خلالها أن يرى نفسه والعالم من زوايا متعددة.
التمويل.. عامل مؤثر في حركة العروض وبرمجتها
وتطرقت المناقشات إلى تأثير التمويل على قدرة المهرجانات، خاصة في مصر والعالم العربي وأفريقيا، على استضافة العروض الدولية، حيث أوضح أحمد العطار أن مهرجان دي-كاف لا يحصل على دعم حكومي، وهو ما يجعل تكلفة بعض العروض الدولية عائقًا أمام استضافتها، حتى عندما تكون هناك رغبة فنية حقيقية في تقديمها.
وأشار إلى أن بعض العروض التي يشاهدها فريق المهرجان في الخارج قد تكون تكلفتها مرتفعة إلى درجة تجعل استضافتها غير ممكنة، حتى مع تقديم الجهة المنتجة خصومات وتسهيلات.
من جانبه، أوضح جون ماكغاث أن المهرجانات الأوروبية الكبيرة تتمتع في بعض الحالات بدعم حكومي مستقر، لكن ذلك لا يعني أن الموارد تكفي لكل الطموحات، مؤكدًا أن مهرجان مانشستر يعتمد في المشروعات الكبيرة على الشراكة مع مهرجانات ومسارح ومؤسسات فنية دولية لتجميع الموارد اللازمة للإنتاج.
وأكد أهمية تحقيق توازن بين دعم الفنانين المعروفين الذين يمكن أن يجذبوا شركاء وموارد إضافية، وبين منح الفرصة لفنانين أقل شهرة أو لفئات ومجتمعات لا تحظى بالتمثيل الكافي في البرامج الكبرى.
واختتمت الجلسة بالتأكيد على أن برمجة المهرجانات ليست مجرد عملية انتقاء لعروض جاهزة، وإنما منظومة متكاملة تبدأ من اكتشاف الفنان والمشروع، والمشاهدة والبحث، مرورًا بالحوار والتطوير والإنتاج، وصولًا إلى توزيع العرض وإتاحته لجمهور جديد، مع اختلاف آليات الاختيار باختلاف طبيعة كل مهرجان ورسالتِه وإمكاناته والجمهور الذي يستهدفه.



