السفير رؤوف سعد لـ«صدى البلد»:
- لقاء السيسي وبوتين يعكس حكمة إدارة العلاقات.. و«بريكس» جزء من إعادة تشكيل النظام الدولي
أكد السفير رؤوف سعد، سفير مصر الأسبق لدى روسيا ومساعد وزير الخارجية، أن لقاء الرئيس عبد الفتاح السيسي مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين على هامش قمة «بريكس» يمثل أحد أهم اللقاءات التي يجريها الرئيس المصري مع قادة الدول الأعضاء في التجمع، لكنه شدد في الوقت ذاته على ضرورة وضع اللقاء في إطاره الأوسع، وعدم اختزال مشاركة مصر في قمة «بريكس» في اللقاء المصري الروسي فقط.
وقال سعد، في حوار مطول مع «صدى البلد»، إن قمة «بريكس» تنعقد في توقيت بالغ الأهمية، في ظل الظروف الدولية الراهنة والتطورات المتسارعة، فضلًا عن التطور الذي تشهده العلاقات المصرية الروسية، مشيرًا إلى أن التجمع يضم قوى كبرى، في مقدمتها روسيا والصين والهند، إلى جانب عدد من الدول الأخرى، بما يجعله منتدى مهمًا لمناقشة العلاقات الدولية والتطورات الخطيرة التي يشهدها العالم.
العلاقات المصرية الروسية.. إدارة حكيمة تحصّن الشراكة
كيف تقيمون أهمية لقاء الرئيس عبد الفتاح السيسي مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين على هامش قمة «بريكس»، في ظل التطورات التي تشهدها العلاقات المصرية الروسية؟
يمثل لقاء الرئيس عبد الفتاح السيسي مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين على هامش قمة «بريكس» أحد أهم اللقاءات التي يجريها الرئيس المصري مع قادة الدول الأعضاء في التجمع، لكنه شدد في الوقت ذاته على ضرورة وضع اللقاء في إطاره الأوسع، وعدم اختزال مشاركة مصر في قمة «بريكس» في اللقاء المصري الروسي فقط.
وتنعقد قمة «بريكس» في توقيت بالغ الأهمية في ظل الظروف الدولية الراهنة والتطورات المتسارعة، فضلًا عن التطور الذي تشهده العلاقات المصرية الروسية، مشيرًا إلى أن التجمع يضم قوى كبرى، في مقدمتها روسيا والصين والهند، إلى جانب عدد من الدول الأخرى، بما يجعله منتدى مهمًا لمناقشة العلاقات الدولية والتطورات الخطيرة التي يشهدها العالم.
كيف تصفون طبيعة إدارة العلاقات المصرية الروسية في ظل التطورات الدولية والصراعات القائمة؟
العلاقات المصرية الروسية تُدار بحكمة من جانب الطرفين، بما يحصّنها من انعكاسات التطورات الدولية التي قد تؤدي إلى مواقف لا ترضي أحد الطرفين.
ومن أبرز الأمثلة على ذلك تقدير روسيا للموقف المصري المتوازن من الحرب بين روسيا وأوكرانيا، موضحًا أن القاهرة لا تتبنى موقفًا يدفعها للانحياز المباشر والواضح إلى جانب روسيا ضد أوكرانيا، وفي الوقت نفسه لا تعترض على استمرار العلاقات المصرية الأوكرانية بالتوازي مع العلاقات المصرية الروسية.
وهذا النهج يعكس قدرة البلدين على إدارة علاقاتهما بما يخدم مصالحهما المشتركة، وبما لا يتعارض مع علاقات كل منهما مع الأطراف الأخرى، ويساعد في الوقت نفسه على المشاركة في الجهود الدولية الرامية إلى تهدئة الصراعات القائمة، سواء في الشرق الأوسط أو على الساحة الدولية.
وما الذي تعكسه هذه الطريقة في إدارة العلاقات بين القاهرة وموسكو؟
هذه الحكمة لا تصدر إلا عن دول تمتلك رؤية بعيدة المدى، وتتمتع بثقل تاريخي وجيوسياسي واقتصادي وحضاري، فمصر وروسيا تديران علاقاتهما بصورة تراعي المصالح المشتركة ومكانة كل دولة وعلاقاتها الدولية.
من السد العالي إلى الضبعة.. شراكة تتجاوز الماضي
هل تستند العلاقات المصرية الروسية اليوم إلى الإرث التاريخي فقط، أم أنها تجاوزت ذلك إلى شراكة مرتبطة بالمستقبل؟
العلاقات بين مصر وروسيا لا تقوم فقط على روابط تاريخية أو إنجازات الماضي، وإنما تستند إلى تعاون متقدم يتعامل مع ملفات القرن الحادي والعشرين والمستقبل.
ومثالًا على ذلك محطة الضبعة النووية التي تنفذها روسيا في مصر، التي تذكّر البلدين بتجربة تاريخية مهمة تتمثل في الدور السوفييتي في بناء السد العالي، الذي كان في ذلك الوقت واحدًا من أكبر السدود في العالم.
وهذه الخبرة التاريخية، الممتدة على مدار القرن الماضي والعقود الأولى من القرن الحالي، عززت قناعة مصر بأن روسيا، والاتحاد السوفييتي من قبلها، قوة ستظل مؤثرة، وسيظل لها دور مهم، سواء على مستوى العلاقات التاريخية أو المشاركة في دعم الاستقرار في منطقة الشرق الأوسط.
خبرة دبلوماسية ممتدة بين موسكو والقاهرة
من واقع خبرتكم الدبلوماسية الطويلة في مصر والاتحاد السوفييتي ثم روسيا، كيف تنظرون إلى تطور العلاقات بين البلدين؟
العلاقات المصرية الروسية يقوم على التعايش ومواكبة التطورات التي طرأت على الفكر والسياسة في روسيا.
وكيف تقيمون إدارة مصر لسياستها الخارجية في ظل هذه التحولات؟
مصر تدير سياستها الخارجية، وفق تقديره، بأقصى درجات الحكمة والحنكة والصبر وضبط النفس، وتسعى إلى التعاون مع مختلف الأطراف بهدف استعادة الاستقرار إلى منطقة الشرق الأوسط، وتؤكد باستمرار أنه لا يمكن تحقيق الاستقرار في المنطقة من دون تسوية القضية الفلسطينية، وأنه لا يمكن تحقيق استقرار حقيقي في الشرق الأوسط في غياب الدور المصري.
مصر أثبتت قدرتها على إدارة أزمات المنطقة
إلى أي مدى أثبتت السنوات الأخيرة قدرة مصر على إدارة أزمات المنطقة مع الحفاظ على علاقاتها بمختلف الأطراف؟
السنوات القليلة الماضية أثبتت حقيقة مهمة أعادت تأكيد الدور المصري أمام العالم، وهي أن مصر تمتلك القدرة على التعامل مع أزمات وصراعات المنطقة وإدارتها دون أن تتعارض مع علاقاتها مع الأطراف المختلفة.
فالقدرات التاريخية والجغرافية، إلى جانب القدرات الدبلوماسية المصرية والسياسة الخارجية المعاصرة التي يقودها الرئيس عبد الفتاح السيسي، تحدد مرحلة جديدة في السياسة الخارجية المصرية.
وماذا عن الدور الروسي في الحرب على غزة؟ وهل ابتعدت موسكو عن التطورات؟
موسكو ليست بعيدة عن التطورات، حتى وإن كانت بعيدة عن بعض الاتصالات المباشرة أو عن الدور المؤثر الظاهر، فهي تتابع ما يحدث بصورة مستمرة.
وروسيا، رغم التوترات والتصعيد في علاقاتها مع الولايات المتحدة، لم تعترض على المواقف التي اتخذتها مصر، كما لم تعترض على التحركات التي قام بها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، والتي جاءت، في جانب منها، نتيجة للجهود المصرية ونقلت الحرب في غزة إلى مرحلة جديدة تتمثل في الانتقال من الحرب إلى محاولة تحقيق السلام وتنفيذ التفاهمات المعلنة.
«الصمت الروسي» قد يكون موقفًا فاعلًا
كيف تفسرون ما قد يبدو أحيانًا صمتًا روسيًا تجاه بعض التطورات في المنطقة؟
السياسة الخارجية الروسية «مركبة للغاية»، وتدار بحكمة ودقة، مشيرًا إلى أن الصمت الذي يصدر عن قوة عظمى لا يعني بالضرورة غياب الموقف.
لو رأت روسيا أن ما يحدث يتعارض مع مصالحها بصورة جوهرية، فإنها كانت ستتخذ موقفًا مختلفًا، لافتًا إلى وجود عوامل متعددة تحكم الموقف الروسي من إسرائيل والمنطقة.
وما أبرز العوامل التي تحكم الموقف الروسي تجاه إسرائيل؟
هناك أكثر من مليون روسي في إسرائيل، هاجروا من الاتحاد السوفييتي السابق منذ تسعينيات القرن الماضي، وحصلوا على الجنسية الإسرائيلية، وأصبحوا قوة مؤثرة في مجالات علمية واقتصادية ورياضية وغيرها.
والدور الروسي قد يبدو في بعض الأحيان صامتًا، لكنه قد يكون «صمتًا فاعلًا»، في إطار حسابات موسكو المعقدة لعلاقاتها ومصالحها الدولية.
السياحة والتجارة.. زخم متزايد في العلاقات
بعيدًا عن الملفات السياسية، كيف تقيمون التطور في العلاقات الاقتصادية بين مصر وروسيا؟
العلاقات المصرية الروسية تشهد زخمًا متزايدًا، سواء من خلال العلاقات الاقتصادية أو نمو حجم التبادل التجاري، فضلًا عن السياحة الروسية إلى مصر.
وماذا عن أهمية السياحة الروسية بالنسبة إلى العلاقات بين البلدين؟الصراعات الدائرة لم تمنع الروس من الإقبال على السياحة المصرية، التي تشهد نموًا مستمرًا، في ظل «العشق الروسي لمصر»، خصوصًا لوجهات سياحية مثل شرم الشيخ والغردقة.
والسياحة الروسية لا تمثل دعمًا للاقتصاد المصري فحسب، وإنما تمثل أيضًا عنصرًا مهمًا في العلاقات بين البلدين.
المنطقة الاقتصادية.. بوابة روسيا إلى أفريقيا وآسيا
هل يقتصر اهتمام روسيا على تطوير وجودها في مصر، أم أنها تنظر إلى القاهرة كبوابة لأسواق ومناطق أخرى؟
اهتمام روسيا لا يقتصر على تطوير وجودها في مصر، وإنما يمتد إلى محاولة الانطلاق منها نحو أفريقيا وآسيا.
وما أهمية المنطقة الاقتصادية لقناة السويس في هذا السياق؟
وجود روسيا المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، يمثل أهمية استراتيجية كبيرة، ويمكن أن تشكل نواة لإنشاء مركز إقليمي للإنتاج والتوزيع والخدمات.
ومتى بدأت فكرة إقامة مركز إقليمي بهذا الحجم في مصر؟
فكرة إنشاء هذا المركز تعود إلى عقود مضت، وتحديدًا إلى فترة مفاوضات عملية السلام بعد مؤتمر مدريد، عندما طُرحت أفكار بشأن إقامة مركز إقليمي مشابه للنماذج القائمة في أوروبا.
واطلعت خلال تلك الفترة على تجربة مركز روتردام، واستمع إلى خبراء هولنديين أكدوا أهمية الموقع الجغرافي للمنطقة المصرية، والخبراء الذين أشاروا إلى أن هذه المنطقة «لم ولن يكون لها مثيل على الخريطة في العالم كله» من حيث موقعها الحيوي.
وما الذي يمنح المنطقة الاقتصادية لقناة السويس هذه الأهمية الاستراتيجية؟
المنطقة تربط بين البحرين الأحمر والمتوسط، وتمتد أهميتها إلى المحيط الهندي، بما يمنحها قدرة كبيرة على التأثير في حركة الملاحة البحرية والخريطة التجارية العالمية، فضلًا عن إمكانية استخدامها قاعدة لانطلاق الصادرات إلى شرق أفريقيا وجنوب آسيا ومناطق أخرى.
روسيا تراهن على المستقبل من بوابة المنطقة الاقتصادية
كيف تنظر روسيا إلى وجودها في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس؟
تدرك روسيا أهمية وجودها في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس باعتبارها استثمارًا في المستقبل وصناعة للتقدم، لافتًا إلى أن روسيا تمتلك تكنولوجيا متقدمة وخبرات صناعية كبيرة.
والحرب فرضت على الاقتصاد الروسي، رغم المعاناة والمتاعب، تطوير العديد من القطاعات والتوجه نحو التصنيع وتعزيز القدرات الإنتاجية.
هل يمكن أن تساعد هذه الإمكانات روسيا على توسيع حضورها الاقتصادي؟
هذه الإمكانات يمكن أن تساعد روسيا على توسيع حضورها الاقتصادي في الأسواق المختلفة، بدلًا من الاعتماد على أدوات أخرى للتأثير، وتعزيز التعاون الاقتصادي يمثل أحد المسارات المهمة لبناء علاقات أكثر استدامة.
«بريكس».. تجمع للتعاون وليس لمواجهة الولايات المتحدة
كيف تقرأون أهمية قمة «بريكس» في ظل التحولات الدولية الراهنة؟
التجمع سيكون محورًا مهمًا في اللقاءات والمباحثات بين القادة، و «بريكس» يمثل تجمعًا مهمًا يجمع قوى اقتصادية وسياسية وجغرافية مؤثرة.
ويدخل «بريكس» في إطار «التعاون الأقاليمي»، وليس التعاون الإقليمي فقط، نظرًا إلى أن أعضاءه ينتمون إلى قارات وأقاليم مختلفة، ويختلفون اقتصاديًا وسياسيًا وثقافيًا وتاريخيًا، إلا أنهم يجتمعون حول هدف مشترك يتمثل في التعاون والاستفادة المتبادلة.
هناك من ينظر إلى «بريكس» باعتباره تجمعًا لمواجهة الولايات المتحدة أو القضاء على الدولار.. كيف ترون ذلك؟
لا أؤيد التصورات التي تختزل «بريكس» في كونه تجمعًا أُنشئ لمواجهة الولايات المتحدة أو القضاء على الدولار، فهذه الرؤية «غير علمية وغير دقيقة»، ودول المجموعة لا تتعامل مع التجمع بهذا المنطق.
فأهمية «بريكس» تكمن في قدرته على خلق قوة أقاليمية تتعاون وتستفيد من الخبرات المتبادلة في مجالات الاقتصاد والتجارة والمناخ والبيئة وغيرها.
إصلاح النظام المالي الدولي على أجندة «بريكس»
ما المجالات التي يمكن أن يمثل فيها «بريكس» قوة مؤثرة على المستوى الدولي؟
إمكانات «بريكس» كبيرة، خصوصًا في ما يتعلق بالمساهمة في تعديل أو تصحيح النظام المالي الدولي، وتطوير بنوك التنمية الدولية والمؤسسات المالية، وضرورة مراجعة بعض القواعد التي تحكم النظام الدولي.
ومن أهم القضايا التي تستحق المراجعة شروط التمويل التي تتعامل بها المؤسسات الدولية مع الدول النامية، وإعادة النظر في أعباء الديون، خصوصًا في ظل الضغوط الكبيرة التي تواجه الاقتصاد العالمي نتيجة الصراعات وأزمات الطاقة واضطراب سلاسل الإمداد.
هل يستهدف «بريكس» الدخول في مواجهة مع الولايات المتحدة؟
لا يسعى «بريكس» إلى الصدام مع الولايات المتحدة، ومثالًا بالهند والصين، فمن غير الواقعي تصور دخول الهند في صراع مع الولايات المتحدة، كما أن الصين لا ترغب في ذلك، رغم سعيها إلى تنشيط التجارة بالعملات المحلية.
واستخدام العملات المحلية في التجارة، ومن بينها التفاهمات التي أُبرمت مع مصر، يستهدف دعم اقتصادات الدول وتعزيز التعاون فيما بينها، وليس بالضرورة مواجهة الولايات المتحدة أو احتواء دورها.
«نحن أمام مرحلة لإعادة تشكيل النظام الدولي»
كيف تصفون المرحلة التي يمر بها النظام الدولي حاليًا؟
المرحلة الراهنة شديدة الخطورة، وربما غير مسبوقة في العقود الأخيرة، والعالم يمر بمرحلة قد تؤدي إلى إعادة تشكيل وترتيب النظام الدولي.
فالحروب الكبرى في التاريخ أفرزت مؤسسات وترتيبات دولية جديدة، الحرب العالمية الأولى أفرزت عصبة الأمم، فيما أسفرت الحرب العالمية الثانية عن إنشاء منظمة الأمم المتحدة.
و العالم يعيش حاليًا، وفق تقديره، صراعات متعددة ومتزامنة يمكن النظر إليها باعتبارها شكلًا من أشكال «الحرب العالمية الثالثة»، إلى جانب تفاقم أزمة المناخ وما تفرضه من أخطار وجودية على دول العالم.
و هذه المرحلة قد تشكل بداية لإعادة تشكيل النظام الدولي، وإن كان من الصعب تحديد شكله النهائي، إلا أن المؤكد، بحسب رؤيته، أنه لن يكون مطابقًا للنظام الذي أفرزته الحرب العالمية الثانية.
التجمعات الأقاليمية تزداد أهمية
في ظل هذه التحولات، ما الدور المتوقع للتجمعات الإقليمية والأقاليمية؟
أحد أبرز إفرازات التحولات الدولية الراهنة سيكون زيادة حضور وفاعلية التجمعات الإقليمية والأقاليمية.
وتبرز أهمية «بريكس»، باعتباره يضم مجموعة من القوى التي تمتلك إمكانات اقتصادية وسياسية وسكانية وجغرافية كبيرة، ويمكن أن يكون لها تأثير في التحولات الدولية.
وهناك ضرورة لإجراء انتقاء سياسي واقتصادي للمجالات المشتركة بين دول المجموعة، بما يؤدي إلى تعزيز قوتها ورفع مستوى تأثيرها في النظام الدولي.
الحرب الروسية الأوكرانية جزء من التحولات الدولية
كيف تنظرون إلى الحرب الروسية الأوكرانية في إطار التحولات الأوسع التي يشهدها النظام الدولي؟
الحرب الروسية الأوكرانية، هي صراع لا ينبغي النظر إليه باعتباره مجرد حرب ثنائية بين روسيا وأوكرانيا، أو باعتباره صراعًا محدودًا بين روسيا والولايات المتحدة أو أوروبا، وإنما باعتباره جزءًا من تحولات دولية أكبر.
وما الدوافع التي تقف وراء استمرار هذا الصراع من وجهة نظركم؟
التدخل الأمريكي في الصراع، وفق تقديره، ارتبط في بدايته بمحاولة احتواء القوة والتأثير الروسيين، بما يسمح للولايات المتحدة بالتفرغ للمنافس والمنافسة الأهم، وهي الصين.
و أوروبا دفعت أيضًا باتجاه هذه القضية، وكثيرًا من الدول الأوروبية التي لا تعلن مواقفها بقوة وصراحة ترى أن الحرب لم تكن لها ضرورة، وأن لها شروطًا معروفة يمكن التعامل معها من خلال التفاوض.
موسكو لم تبتعد عن الشرق الأوسط
هل تعتقدون أن انشغال روسيا بالحرب في أوكرانيا أدى إلى تراجع اهتمامها بالشرق الأوسط؟
لا ينبغي الاعتقاد بأن روسيا ابتعدت عن الشرق الأوسط نتيجة انشغالها بالصراع مع أوكرانيا.
وروسيا قد تبدو بعيدة عن الاتصالات المباشرة أو عن الدور المؤثر بصورة ظاهرة في بعض الملفات، كما قد لا تشارك بشكل فعال في بعض المحادثات والمشاورات الجارية، إلا أنها «لا تبتعد لحظة واحدة» عن التطورات في المنطقة، ليس فقط من زاوية الصراعات القائمة، وإنما أيضًا من حيث اهتمامها بالمنطقة ككل وبمصالحها ودورها فيها.
وما أهمية مصر تحديدًا بالنسبة إلى الحضور الروسي في الشرق الأوسط؟
خبرات العلاقات بين مصر وروسيا أثبتت لموسكو وللعالم أن الدخول الحقيقي والفعال إلى الشرق الأوسط لابد أن يمر عبر مصر، فهي «كالباب الدوار»، باعتبار أن الدخول الحقيقي إلى المنطقة لابد أن يتم عبرها، وكذلك الخروج منها.
ووجود روسيا في مناطق أخرى من الشرق الأوسط أمر طبيعي وممكن، لكنه لا يمكن أن يوازن أهمية العلاقات الروسية المصرية، مؤكدًا أن هذا تقدير قديم لدى الاتحاد السوفييتي وروسيا، منذ البدايات وحتى عهد الرئيس فلاديمير بوتين.
بوتين لن يتنازل عن «الناتو» والقرم
ما الشروط التي ترون أن روسيا لن تتنازل عنها في أي تسوية للحرب الأوكرانية؟
هناك شرطين رئيسيين لن تتنازل روسيا عنهما في أي تسوية للحرب الأوكرانية؛ أولهما عدم قبول انضمام أوكرانيا إلى حلف شمال الأطلسي «الناتو»، والثاني عدم التخلي عن شبه جزيرة القرم.
وموسكو تعتبر القرم جزءًا من أراضيها، وخلفية انتقال تبعية شبه الجزيرة إداريًا إلى أوكرانيا خلال الحقبة السوفييتية.
و القرم تتمتع بأهمية استراتيجية كبيرة بالنسبة إلى روسيا، نظرًا لموقعها على البحر الأسود، ولذلك فأن موسكو لن تتنازل عنها بسهولة.
وفي المقابل، ما الملفات التي يمكن أن تكون قابلة للتفاوض؟
العديد من الملفات الأخرى، مثل الانتخابات والحكم الذاتي وغيرها، يمكن أن تشكل موضوعات للتفاوض، وهذه القضايا تصلح لأن تكون أساسًا لمفاوضات، لكنها لا تبرر استمرار الحرب.
روسيا والصين.. شراكة دون اندفاع نحو التحالف
كيف تقيمون تطور العلاقات بين روسيا والصين في ظل الضغوط الأمريكية المتزايدة؟
تطور العلاقات بين روسيا والصين يمثل عاملًا مهمًا في مواجهة محاولات الضغط الأمريكي، خصوصًا في ظل انشغال الولايات المتحدة بأزمات وصراعات أخرى.
هل يمكن وصف العلاقة بين موسكو وبكين بأنها تحالف استراتيجي كامل؟
موسكو تدير علاقتها بمبدأ «تحالف الضرورة»، في إطار علاقات شراكة، وإنما باعتبارها شراكة تقوم على أهداف مشتركة وتعاون متبادل.
والبلدين يبحثان عن الاستقرار، مع الحفاظ على مكانة كل دولة ومصالحها، وتجنب الانجرار إلى مواقف متشددة أو عدائية.
طول الحرب كشف أخطاء في الحسابات الروسية
هل تعتقدون أن طول أمد الحرب الروسية الأوكرانية يكشف عن أخطاء في الحسابات الروسية في بداية الصراع؟
إطالة أمد الحرب الروسية الأوكرانية تشير إلى وجود أخطاء في الحسابات الروسية في بداية الصراع، وموسكو ربما كانت تتوقع حسم الحرب خلال فترة قصيرة.
والجيش الأوكراني كان جيشًا حديثًا ومدربًا، و الطرفين كانا يدركان قدراته وإمكاناته، وهو ما ساهم في إطالة أمد المواجهة.
وما الهدف الروسي من استمرار الحرب، من وجهة نظركم؟
طول الحرب أنهك روسيا وأوجد أمامها تحديات كبيرة، إلا أن موسكو لا تدير الحرب بهدف تحقيق الانتصار العسكري فقط، وإنما بهدف تثبيت موقعها الدولي وإثبات أنها ستكون في المستقبل ضمن الدول صاحبة التأثير في النظام العالمي.
«النظام الدولي سيتغير»
في ضوء كل هذه التحولات، كيف تتوقعون شكل النظام الدولي خلال المرحلة المقبلة؟
العالم يتجه نحو تغيرات كبيرة في النظام الدولي، بما في ذلك المؤسسات متعددة الأطراف.
والتحولات الراهنة ستؤدي إلى ظهور شكل جديد من أشكال النظام الدولي، والتجمعات الأقاليمية، وفي مقدمتها «بريكس»، مرشحة للعب دور متزايد في هذا النظام.
وما يجري حاليًا يتجاوز حدود الصراعات المنفردة، ويمثل، في تقديره، مرحلة تاريخية ستفضي إلى إعادة ترتيب موازين القوى الدولية، بما يفرض على مختلف الدول إعادة تقييم علاقاتها وتحالفاتها وأدوارها في النظام العالمي الجديد.